تضع ثمانية أشهر من الفراغ الرئاسي المتواصل لبنان في حالة تأهّب قصوى. فغياب رئيس للجمهورية يعني أن الدستور يُنتهَك ويُستبدَل بحدٍّ أدنى من التوافق مابين اللاعبين السياسيين للمحافظة على سير عمل الحكومة. كما يجري استبدال المفاوضات السياسية من خلال المؤسسات الديمقراطية مابين الأطراف المتنازعة، بحوارات ثنائية مابين الأحزاب السياسية الرئيسة. لكن نتيجة هذه العملية هي أن المهام الحكومية والبرلمانية لاتُنفَّذ كما يجب، مايولّد جموداً مؤسساتياً متواصلاً. هذا وتزيد تداعيات الصراع السوري المخاطر الاقتصادية والأمنية على لبنان. يحمل ذلك كله أخباراً سيئة لمستقبل الديمقراطية والاستقرار في لبنان.

حثّ الرئيس السابق ميشال سليمان، لدى مغادرته القصر الرئاسي في نهاية ولايته في 25 أيار/مايو 2014، الأطراف السياسية كافة على انتخاب رئيس جديد. وقد عُقِدَت الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية في 23 نيسان/أبريل، لكن أياً من المرشّحين لم يستطع الحصول على عدد الأصوات المطلوب لانتخابه. فوفقاً للدستور اللبناني، ينبغي أن ينال المرشح ثلثي أصوات أعضاء البرلمان، أي 86 من أصل 128 صوتاً، ليتم انتخابه من الجولة الأولى. أما في الجولات اللاحقة، فيمكن أن يحقّق الفوز الرئاسي إذا نال ببساطة غالبية الأصوات.

ماريو أبو زيد
أبو زيد هو محلّل أبحاث في مركز كارنيغي للشرق الأوسط، حيث يتركّز عمله على التطورات السياسية في لبنان وسورية والعراق وإيران.
More >

لكن بعد أكثر من 18 دعوة إلى انعقاد البرلمان في جلسات لانتخاب الرئيس، لم يُنتخَب أي رئيس. وأحد أسباب ذلك هو أن النواب التابعين لحزب الله، المنظمة اللبنانية الشيعية شبه العسكرية، يقاطعون الجلسات، الأمر الذي يعني غياب النصاب البرلماني المطلوب لانتخاب رئيس. وهذه المقاطعة تأتي نتيجة الرغبة في تفادي تعريض حزب الله إلى المطالبات بمساءلته. فمن الأفضل للحزب وحلفائه أن يبقى موقع الرئاسة شاغراً على أن يشغله رئيس معارض ناشط قد يشكّك في انخراط الحزب في الصراع السوري، أو في دوره ومكانته بوصفه مقاومة وطنية. بهذا يستند حزب الله إلى تجربته مع الرئيس السابق ميشال سليمان. فهذا الأخير أطلق حواراً وطنياً أدّى إلى ما أصبح يُعرَف بإعلان بعبدا، الذي شكّك بقوة في دور حزب الله في صراعٍ خارج الحدود اللبنانية.

أما على المستوى الدستوري، فالرئيس اللبناني هو ضامن تطبيق الدستور، ورئيس الدولة، والقائد الأعلى للقوات المسلحة. كما أنه يمثّل الطائفة المارونية المسيحية ضمن نظام معقّد من التوازن الطائفي للسلطات. وفي غياب الرئيس تُنقَل صلاحياته كافة إلى الحكومة، وأي قرار يُتَّخَذ يجب أن يحظى بموافقة أعضاء الحكومة كافة. هذا النظام يؤدّي إلى جمود حكومي دائم في حال عارض أحد الوزراء بقية الحكومة. نتيجة لذلك، مايُبقي الحكومة فاعلة في الوضع الراهن هو اتفاقات أساسية للغاية حول القضايا غير الحساسة، جرى التوصّل إليها وصيانتها من جانب الأطراف السياسية.

وفي مايتعلّق بالبرلمان، إذا حصل أي فراغ رئاسي، يتحوّل البرلمان إلى هيئة ناخبة هدفها الوحيد انتخاب رئيس. وقد أُضيفَت هذه الصلاحيات إلى الدستور اللبناني لضمان عمل المؤسسات الدستورية السليم. لكن مع اقتراب نهاية ولاية البرلمان في العام الماضي، أصدر سليمان مرسوماً رئاسياً يدعو البرلمان إلى عقد انتخابات رئاسية في 9 حزيران/يونيو 2014. اتُّخِذَت هذه الخطوة في مسعًى إلى حثّ اللجنة النيابية على وضع قانون انتخابي جديد، والسماح للبرلمان بالتصويت على مثل هذا القانون، وللحكومة بالقيام بالتحضيرات اللوجستية الضرورية والتمكّن من إجراء انتخابات، في حال حصول أي فراغ رئاسي. بيد أن اللجان البرلمانية اللبنانية تخطّت معظم المهل الزمنية للاتفاق على قانون انتخابي جديد. وأبدت الحكومة عدم جهوزيتها لإجراء انتخابات، قائلةً إن السبب هو التحديات الأمنية المختلفة التي تواجهها، كما جدّد البرلمان ولايته، بموافقة الحكومة، في انتهاك مباشر للدستور. ومذّاك الحين، ينعقد البرلمان في جلسات عادية للتشريع، فيما يستمر رئيسُه في الدعوة إلى جلسات لانتخاب رئيس لايكتمل فيها النصاب.

الحوارات الثنائية القائمة بين الأحزاب السياسية المتنافسة، باعتبارها آليةً للوصول إلى توافق في الآراء حول عددٍ من القضايا لضمان ألّا تنهار الحكومة، ساعدت في تخفيف التوتر الشعبي في صفوف الأحزاب السياسية ومناصريها من السنّة والشيعة. فقد ساعد الحوار بين تيار المستقبل السنّي وحزب الله الشيعي في الوصول إلى بعض التفاهمات، بيد أنه تجنّب النقاش في أي من المسائل الخلافية. لكن لاجدوى من الانخراط في عملية حوار للاتفاق على المسائل غير الخلافية. كان آخر مثال على ذلك ردّ حزب الله عبر استهداف قافلة إسرائيلية في مزارع شبعا، انتقاماً لمقتل أعضاء من حزب الله في هجوم إسرائيلي في منطقة القنيطرة في سورية في وقت سابق من الشهر الفائت. فتيار المستقبل يعارض تماماً انخراط حزب الله في الصراع السوري، ويواصل التشكيك في أسلحة حزب الله ودوره وقراراته خارج المؤسسات الرسمية اللبنانية. لكن هجوم حزب الله شُنّ على الرغم من الحوار الجاري مع تيار المستقبل، وهو ليس على أجندة النقاش في اجتماعات الحوار المقبلة. هجوم شبعا دليلٌ على أنه، بغض النظر عن القضايا التي سيتم التطرّق إليها في الحوار الثنائي، فسيبقى سبب الانقسام ويتفاقم إن لم تُحَلّ المسائل الخلافية الأساسية.

أطلقت القوات اللبنانية والتيار الوطني الحر، أكبر حزبين مسيحيَّين في لبنان، حواراً موازياً للاتفاق على عددٍ من المسائل الخلافية، بما في ذلك الانتخابات الرئاسية. ورئيسا هذين الحزبين مرشّحان للرئاسة.

أدّى هذا الأمر إلى وقوع نزاعات مستمرة بين مناصري الحزبين، فاقمها واقع أن القوات اللبنانية جزء من تحالف 14 آذار إلى جانب تيار المستقبل، والتيار الوطني الحر ينضوي ضمن تحالف 8 آذار الذي يضمّ حزب الله. على عكس الحوار الأول بين حزب الله وتيار المستقبل، يحاول الحزبان المسيحيان التطرّق إلى عددٍ من المسائل الخلافية، بما في ذلك تاريخهما الطويل من المواجهة، ومواقفهما من حزب الله والأزمة السورية. لم يُعلَن حتى الآن عن أي اتفاق، في ظل توقّعات عن نتائج إيجابية في صفوف المفاوضين. لكن لم يتم بعد تناول الرئاسة كجزء من هذا الحوار، على الرغم من أهميتها باعتبارها أعلى منصب حكومي يُمنَح للمسيحيين بموجب الميثاق الوطني اللبناني – وبالتالي، غياب هذا المنصب يعني سلطة سياسية أقل للطائفة المسيحية.

يسمح الحواران بمواصلة الحكومة عملها، لكن عدم التطرّق إلى مسائل أساسية مثل انتخاب رئيس للجمهورية أو إجراء انتخابات نيابية وتشكيل حكومة جديدة، سوف يؤدّي إلى جمود مؤسساتي متواصل.

لايمكن لهذه الحوارات أن تكون بديلاً عن المؤسسات السياسية. في الوضع الراهن، يُعتبَر ردّ الحكومة على التطورات الأخيرة الملحّة ضعيفاً في أحسن الأحوال. مؤخّراً، انتشر المقاتلون الإسلاميون على طول الحدود اللبنانية-السورية في محاولة للتسلّل إلى الأراضي اللبنانية وإنشاء ملاذات آمنة وقواعد عسكرية. وفي ظل غياب القائد الأعلى للقوات المسلحة، رئيس الجمهورية، كانت قدرة الجيش اللبناني على الردّ محدودةً في مواجهة هؤلاء المقاتلين. يعني غياب القائد الأعلى للقوات المسلحة أيضاً أن التلامذة الضبّاط في الجيش لايحظون بتخرّج رسمي في الكليّة العسكرية، وأن مجلس الوزراء يقوم بتعيين قادة المؤسسة الأمنية. كما أن نصف السلك الدبلوماسي شاغر في ظل غياب رئيس يتولّى تعيين دبلوماسيين وسفراء جدد.

ختاماً، تتفاقم أزمة اللاجئين السوريين لتشكّل عبئاً اقتصاديّاً وخطَراً على البنية التحتية للبلاد. والمانحون والجهات المعنيّة في المجتمع الدولي لايفون بوعودهم في دعم اللاجئين في لبنان بسبب انعدام ثقتهم في المؤسسات اللبنانية الفاسدة والمعطّلة. في حال بقيت المؤسسات السياسية اللبنانية في حالة جمود بسبب الانتهاكات المستمرة للدستور، سوف يفقد لبنان سمعته كدولة ديمقراطية فاعلة، والأهم دعم الجهات المعنيّة والمانحين الدوليين.

نشر هذا المقال أصلاً مجلس الشؤون الدولية الروسي.