بعد غض النظر عن الجهاديين الذين يذهبون إلى سورية والعراق، عزز المغرب جهوده المستمرة للتضييق على شبكات التجنيد لدى الدولة الإسلامية عن طريق المراقبة وتعديل قانون مكافحة الإرهاب. أثارت مخاوف في أوساط نشطاء المجتمع الأهلي بسبب تأثيرها على الحريات المدنية. 

للإضاءة على هذه المواضيع، تُجري صدى مقابلة مع المدير التنفيذي لمنتدى الكرامة لحقوق الإنسان محمد حقيقي.

يشكّل الجهاديون القادمون من شمال أفريقيا إحدى أكبر مجموعات المقاتلين الأجانب في سورية وقد استهدفت الدولة الإسلامية في شكل خاص الشباب الشمال أفريقي في حملاتها لتجنيد المقاتلين. ما هو تأثير ذلك على الشباب الذين يملكون في الأصل نزعة جهادية؟

نظرا لشعور المنتمين لتيار ما يسمى بالسلفية الجهادية بالإستضعاف في بلدانهم وتعرض بعضهم لإنتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، وموقفهم من قعود دولهم عن نصرة المسلمين والأقليات المسلمة في بعض مناطق العالم، في الوقت الذي انحازت فيه إلى الولايات المتحدة الأمريكية بدعوى محاربة الإرهاب، فقد اعتبروا ذلك استهدافا لوجودهم ورغبة في استئصالهم، ولذلك فكلما ظهرت بؤرة للتوثر فيها تدخل أجنبي سرعان ما انتقلوا إليها، سواء كانت في مالي أو في العراق، أو في سوريا. 

 
العائدون من سوريا في المغرب لهم أسباب وراء عودتهم وفي مقدمتها خيبة ظنهم فيما كانوا يعتبرونه جهادا

في الأشهر القليلة الماضية، أوردت السلطات الأمنية المغربية أنها فكّكت العديد من خلايا التجنيد التابعة لتنظيم داعش - آخرها تفكيك خلية في 17 كانون الثاني/يناير الماضي - وعزّزت جهودها للتعرف على هوية الأشخاص الذين يخططون لمغادرة البلاد والانضمام إلى الجهاد. هل جعل ذلك الحركة السلفية في المغرب أكثر تطلعاً نحو الخارج أم خلق انقساماً بين العناصر الذين يريدون التركيز على المغرب وأولئك الذين يريدون التركيز على الساحة الدولية؟

ما يسمى بالسلفية الجهادية في المغرب لا تمثل مكونا منسجما، بقدر ما هي تيار يوجد إلى جانب تعبيرات سلفية أخرى مثل السلفية العلمية أو العقدية، لذلك لا يمكن القول أن التعديل الأخير لقانون مكافحة الإرهاب قد قسم السلفية إلى قسمين قسم يركز على المغرب وآخر يركز على الخارج، فساحات الجهاد حتى الساعة بالنسبة لهؤلاء هي المناطق التي يقع فيها تدخل أجنبي ضد المسلمين حسب اعتقادهم، وكانت الساحة السورية أكثر استقطابا لهم لأنه اجتمع فيها التدخل الأجنبي الذي يعتبرونه صليبي وتدخل إيران وحزب الله الشيعي فضلا عن انتقال المقاتلين من العراق وإنشاء ما يسمى بالدولة الإسلامية.

ذُكِر أن المجندين المغاربة قادمون في غالبيتهم من المقاطعات الشمالية، برأيكم لماذا تستقطب الدولة الإسلامية الشباب في تلك المناطق؟

سكان شمال المغرب خصوصا يعيشون تهميش وظروف إقتصادية قاسية تجل عددا منهم يعيش على التهريب، وزراعة القنب الهندي "مخدرات"، وأعتقد أن هذه الخاصيات حولت شباب مدن شمال المغرب إلى لقمة سائغة للإستقطاب من أجل القتال في سوريا، لاسيما إذا علمنا أن داعش تقدم تعويضات مغرية للمقاتلين. وتنبغي الإشارة أن جهات أخرى من المغرب انتقل منها مجموعة من المقاتلين، ما يعني أن الدولة لا تعالج الظاهرة بمقاربة شاملة تأخذ بعين الإعتبار كل المستويات، كما أنها تعتبر أن مهمتها قد انتهت بالزج بالمتهمين في السجن وبدلك تتخلى عن وظيفتها أثناء قضاء العقوبة وفي الرعاية لاحقة للمعتقلين الذين أنهوا مدة عقوبتهم .

يبدو أن السلطات المغربية قلقة من تأثير عودة المقاتليين المغاربة من سوريا ذلك على الأمن القومي. كيف تقوِّمون هذا التهديد؟ 

العائدون من القتال في سورية ، تم اعتقالهم لأنهم حسب القانون يشكلون تهديدا للأمن العام وسلامة الدولة الداخلية، لكن الأمر لم يصل إلى تهديد قائم في نظري كما هو عليه الحال في تونس أو ليبيا، العائدون من سوريا في المغرب لهم أسباب وراء عودتهم وفي مقدمتها خيبة ظنهم فيما كانوا يعتبرونه جهادا حيث اكتشفوا أنها حرب ضد المسلمين بل ضد "مجاهدين"، وبالتالي فعودتهم إلى المغرب كانت فرارا من داعش، ويمكن استعمال وسائل مرافقة تؤدي إلى إستيعابهم وإدماجهم. 

في كانون الثاني/يناير 2015، أقر البرلمان المغربي نسخة معدّلة من قانون الإرهاب. كيف سيؤثر القانون المعدَّل برأيكم في قضية المعتقلين السلفيين الجهاديين المثيرة جداً للجدل في المغرب؟

بالفعل حصل تعديل على قانون مكافحة الإرهاب بالمغرب ينطوي على تشديد، بحيث يجرم السفر إلى مناطق القتال والانضمام إلى الجماعات المتطرفة، وقد رتب على ذلك عقوبة سجنية تتراوح ما بين 5 إلى15 عاما، وغرامة مالية تصل إلى حوالي 50 ألف دولار أميركي. وفي رأيي أن التعديل لن يؤثر في قضية معتقلي ما يسمى بالسلفية الجهادية بالشكل المنتظر منه، بسبب الرهان على مقاربة أمنية بحثة، وقد لاحظنا أن معتقلين سابقين التحقوا للقتال في سوريا ومنهم من انضم لصفوف داعش، كما أن أجهزة الأمن لم تتوقف عن تفكيك خلايا تهجير مقاتلين إلى سوريا بالرغم من صدور التعديل الجديد.

 
ينبغي تعزيز الثقة بين معتقلي ما يسمى بالسلفية الجهادية المستعدين للقيام بالمصالحة الوطنية ومواجهة فكر داعش وبين الجهات المعنية

ينتقد المحللون والمراقبون المتخصصون بالشؤون المغربية حملة التضييق ويخشون أن يكون لها تأثير مهم على الحريات المدنية. هل تشاركونهم المخاوف نفسها؟

نعم يعبر بعض الحقوقيين عن مخاوفهم إزاء احتمال المس بحقوق الإنسان أثناء مكافحة الإرهاب، بسبب غياب ضمانات فعلية للحماية، والإلتزام بمعايير محددة للحكامة الأمنية، زيادة على عدم إشراك الحركة الحقوقية في مراقبة سلامة الإجراءات اعتبارا من الإعتقال والحراسة النظرية ومحاكمة المتهم بحضور المحامي في كل المراحل. وينبغي التذكير هنا أن قانون مكافحة الإرهاب قد تم استعماله في محاكمة بعض الصحفيين، وهذا ما اعتبره الحقوقيون تضييقا على حرية الرأي والتعبير والصحافة.

أُطلِقت دعوات للتعاون مع بعض الشخصيات السلفية داخل السجون المغربية من أجل رفض الدولة الإسلامية وأيديولوجيتها وكذلك أيديولوجيات المتطرفين الآخرين الذين يقاتلون باسم الإسلام. هلا تخبروننا عن هذه المبادرات وما هو المطلوب لتأمين نجاحها ؟

عبّر الكثير من المعتقلين بمقتضى قانون مكافحة الإرهاب ويعبرون عن رفضهم للإرهاب، ونحن في منتدى الكرامة لحقوق الإنسان تقدمنا بمقاربة تصالحية في الموضوع سنة 2008، كما نظمنا سنة 2011 لقاء تشاوريا لفهم الحالة السلفية في المغرب، وقدمنا مذكرتين إلى رئيس الحكومة الأولى بخصوص حقوق المعتقلين بمقتضى قانون مكافحة الإرهاب داخل السجون، والثانية تتعلق ببرنامج الإدماج الإجتماعي لفائدة المعتقلين السابقين في ما يسمى بالسلفية الجهادية ، غير أن هذه المبادرات تحتاج إلى تفاعل جدي من طرف الجهات الأمنية والرسمية. 

وفي الآونة الأخيرة ظهرت دعوات لمواجهة ممارسات داعش لاسيما عندما أقدمت هذه الأخيرة على إحراق الطيار الأردني، فقد حصل نقاش بين المعتقلين حول موقفهم من الدولة الإسلامية وممارساتها، ومنهم من ذهب إلى ضرورة إحياء "لجنة المصالحة والمراجعة داخل السجون" التي كان قد أنشأها المعتقل حسن الخطاب زعيم مجموعة "أنصار المهدي" هذه المبادرة تدعو إلى تكوين جبهة وطنية لمحاصرة فكر داعش في المغرب.

ومن أجل إنجاح هذه المبادرات ينبغي تعزيز الثقة بين معتقلي ما يسمى بالسلفية الجهادية المستعدين للقيام بالمصالحة الوطنية ومواجهة فكر داعش وبين الجهات المعنية، إلى جانب الإنخراط الفعلي لمؤسسات ذات علاقة بحقوق الإنسان مثل المجلس الوطني لحقوق الإنسان، والمندوبية الوزارية المكلفة بحقوق الإنسان، ووزارة العدل والحريات دون أن ننسى وزارة الداخلية في المبادرة مع توفير شروط خلق نقاش عمومي حول الظاهرة، ونعتبر أن المقاربة الأمنية والزجرية وحدها غير قادرة على احتواء الخطر. نحتاج إلى قرارات جريئة مثل تلك التي أقدمت عليها السعودية حيث أطلقت سراح مجموعة من المعتقلين في ملفات الإرهاب، كما أنها أعطت مهلة لعودة مواطنيها الذين يشاركون في القتال في سوريا، دون متابعة قضائية مع العمل على إدماجهم.

 

محمد حقيقي المدير التنفيذي لمنتدى الكرامة لحقوق الإنسان. أُجرِي هذا الحوار عبر البريد الإلكتروني.