تعول الحكومة المصرية كثيراً على مساهمة مؤتمر مارس فى التعافى الاقتصادى عن طريق جذب تدفقات ضخمة من رأس المال الأجنبى فى صورة استثمارات مباشرة على مدى السنوات الخمس المقبلة، ويؤمل أن تؤدى الاستثمارات الأجنبية إلى حل العديد من المشكلات الاقتصادية التى تفاقمت فى السنوات القليلة الماضية وعلى رأسها العجز فى ميزان المدفوعات، وتضاؤل الاحتياطيات الدولارية، كما أن الاستثمارات المباشرة من شأنها أن تسهم بشكل رئيسى فى حفز معدلات النمو والتشغيل وبالتالى تخفيض معدلات البطالة، ويعتبر جذب تدفقات رأسمالية فى صورة استثمارات بديلا عن التوسع فى الاقتراض الخارجي، الذى قد يدخل الاقتصاد والدولة فى دوامة مديونية خارجية خاصة أن مؤشرات الدين العام الحالية بشقيه المحلى والأجنبى تقترب من %90 من الناتج المحلى الإجمالي، بما يتجاوز بجلاء الحدود الآمنة كما يضع ضغطا شديدا على الجهاز المصرفى المصرى للاستمرار فى تمويل عجز الموازنة حتى تحولت الحكومة لأكبر مقترض بالفعل بما لذلك من آثار سلبية على تكلفة الائتمان للقطاع الخاص.

عمرو عادلي
عادلي هو باحث غير مقيم في مركز كارنيغي للشرق الأوسط، حيث تتناول أبحاثه الاقتصاد السياسي، والدراسات التنموية، وعلم الاجتماع الاقتصادي للشرق الأوسط، مع تركيز على مصر.
More >

على كل إيجابيات تدفقات رأس المال الخارجى فهل يعد فعليا الحل لمعضلات التنمية فى مصر؟ يلتمس هذا المقال الإجابة على هذا السؤال بالعودة عقدين أو ثلاثة إلى الوراء، وبإلقاء نظرة على الأشكال المختلفة من تدفق رأس المال الأجنبى إلى مصر من استثمارات مباشرة ومن مساعدات أجنبية وتسهيلات ائتمانية ومن تحويلات للعاملين بالخارج.

لم تكن مصر تقليديا من البلدان المتلقية للاستثمار الأجنبى المباشر إذ بلغت نسبته من الناتج المحلى الإجمالى ما متوسطه %0.9 فى الفترة بين 1990 و2004، وعلى الرغم من أن هذه النسبة قد ارتفعت إلى %5.86 فى الفترة بين 2004 و2009 إلا أنه يمكن اعتبار تلك الفترة السابقة على الأزمة المالية العالمية بمثابة الاستثناء لا القاعدة.

وثمة شكوك جدية حول إمكانية تكرار مثل هذه التدفقات من الاستثمار فى ظل استمرار الأزمة المالية العالمية وفى ظل الاضطراب الداخلى والإقليمى.

لا يعنى ما سبق أن مصر لم تكن متلقية لتدفقات رأسمالية من الخارج بل يعنى ببساطة أن هذه التدفقات لم تكن تأخذ عادة شكل الاستثمارات الأجنبية المباشرة بقدر ما كانت تأتى فى صور أخرى خاصة المساعدات والمعونات للحكومة المصرية وتحويلات العاملين بالخارج.

فطبقا لمؤشرات البنك الدولى فإن مصر تعتبر من أكبر الدول المتلقية لتحويلات العاملين على مستوى العالم، التى بلغ إجماليها التراكمى فى ثلاثين سنة تقريبا (ما بين 1980 و2011) ما يزيد على 166 مليار دولار، وفى الوقت ذاته فإن متوسط نصيب الفرد من التحويلات فى الفترة ذاتها بلغ 77 دولاراً أمريكياً بشكل أعلى كثيراً من بلدان كتركيا (40 دولاراً) والهند (14.7 دولار) معروفة بجالياتها الضخمة فى الخارج، وبشكل يقترب من بلدان أصغر عددا كتونس (95.7 دولار) أو أكبر كثيرا فى دخلها القومى كالمكسيك (90 دولاراً)، طبقا لمؤشرات التنمية لدى البنك الدولي.

وينطبق الأمر نفسه على المساعدات والمعونات الرسمية (Official Development Aid (ODA، والتى تفيد جميع المبالغ التى تلقتها مصر كمنح لا ترد أو تسهيلات ائتمانية منخفضة التكلفة وعلى أجل طويل لأغراض تحقيق التنمية، وقد تلقت مصر ما إجماليه التراكمى بين 1980 و2012 حوالي 61 مليار دولار أمريكى مقارنة بـ21 مليار دولار فحسب لتركيا فى الفترة ذاتها، وهى بلد قريب فى عدد السكان من مصر، ما يعنى أن مصر كانت تتلقى ما متوسطه 1.9 مليار دولار مساعدات رسمية طيلة السنوات الثلاثين الماضية (دون احتساب المساعدات العسكرية الأمريكية للقوات المسلحة المصرية التى تناهز نحو 1.2 مليار دولار سنويا من 1979)، وأيضاً دون احتساب الديون الخارجية التى تم إعدامها فى مطلع التسعينيات طبقا لاتفاق نادى باريس، الذى ألغى نصف دين مصر الخارجي، وأعفى الدولة من سداد ما يناهز 25 مليار دولار.

إذاً كون مصر بلداً متلقية لتدفقات ضخمة من رأس المال بصور شتى فى العقود الماضية لم يغير كثيراً من واقع التنمية، ولم ينعكس بشكل فعال على مستويات المعيشة ولا على قدرة الاقتصاد المصرى على النمو وخلق فرص عمل وعلى المنافسة العالمية فى العقود الثلاثة الماضية، ويلفت هذا النظر إلى حقيقة أن التدفقات الرأسمالية بمختلف صورها قد تمثل مخرجاً من أزمات ملحة فى المدى القصير كاختلال ميزان المدفوعات أو تراجع الاحتياطيات النقدية أو مشكلات التمويل والسيولة التى تواجه الخزانة إلا أنه من الصعب اعتبارها فى ذاتها سبيلا لتحقيق التنمية على المدى البعيد وبالمعنى الشامل دون إدخال تعديلات جوهرية على سياسات الدولة وعلى العلاقات المؤسسية التى تربط الدولة بالاقتصاد.

ويمكن القول إن حجم المساعدات وتحويلات العاملين وغيرها من أشكال التدفق الرأسمالى الأجنبى على مصر طيلة العقود الماضية على ضخامتها قد تفاعلت مع سياسات وترتيبات مؤسسية لم تسهم فى الاستفادة من هذا التدفق بما يخدم أغراضاً تنموية، وهو ما يظهر على سبيل المثال فى عدم انعكاس هذه التدفقات على معدلات الادخار أو الاستثمار أو على تنافسية الاقتصاد المصرى العالمية.

مما سبق يمكن الدفع بأنه ليس بالإمكان اختزال الحاجة لتدفقات رأسمالية من الخارج فى حل المشكلات الحالية للاقتصاد المصرى كالتمويل والسيولة والاحتياطيات، بقدر ما إننا بحاجة لإعادة تصميم السياسات التى من شأنها أن تدير تلك التدفقات وأن تعظم العائد التنموى منها.

تم نشر هذا المقال في البورصة.