ثمة إجماع فى دوائر صنع السياسة الاقتصادية فى مصر على أن المخرج من أزمات الاقتصاد المصرى المتعددة والمعقدة هو تأمين تدفقات رأسمالية من الخارج فى صورة استثمارات أجنبية مباشرة، وذلك لأن هذه التدفقات ستعمل على تحسين وضع ميزان المدفوعات وستنعكس بالإيجاب على إعادة بناء الاحتياطيات الدولارية التى تضاءلت مع تراجع السياحة وهروب رأس المال الأجنبى فى أعقاب ثورة يناير ٢٠١١. ويضاف إلى هذا وذاك أن تدفق الاستثمارات الأجنبية من شأنه أن يرفع من معدلات النمو الاقتصادى والتشغيل على المدى المتوسط والبعيد.

وقد عملت حكومتا الببلاوى ومحلب منذ يوليو ٢٠١٣ على إدخال تعديلات واسعة ومتواترة على الإطار التشريعى الحاكم لعلاقة الدولة بالقطاع الخاص عامة وبرأس المال الأجنبى خاصة، ولعل ما يميز التعديلات التشريعية هذه هى أنها أكثر عمقا وديمومة من التغييرات التى تطرأ على سياسات الاقتصاد الكلى كأسعار الصرف والفائدة والضرائب والدعم.

عمرو عادلي
عادلي هو باحث غير مقيم في مركز كارنيغي للشرق الأوسط، حيث تتناول أبحاثه الاقتصاد السياسي، والدراسات التنموية، وعلم الاجتماع الاقتصادي للشرق الأوسط، مع تركيز على مصر.
More >
ويمكن القول إجمالا إن حصيلة السنتين الماضيتين من التعديلات التشريعية كانت تصب فى خانة استعادة ثقة المستثمرين الأجانب ــ وكذا المصريون ــ عن طريق محاصرة مصادر عدم اليقين والمخاطرة التى عادة ما تردع المستثمرين عن ضخ أموالهم خاصة بعد الاضطراب السياسى والاقتصادى العنيف الذى واجهته مصر منذ ٢٠١١، وفى هذا السبيل تم إدخال تعديلات تشريعية عميقة غيرت الكثير من معالم العلاقة بين الدولة ورأس المال الخاص منذ عهد حسنى مبارك، فعلى سبيل المثال لا الحصر تم تمرير قرار بقانون بتحصين العقود الحكومية من الطعن أمام مجلس الدولة فى عهد المستشار عدلى منصور، ما ترتب عليه إيقاف النظر فى القضايا القائمة وقصر الطعن على العقود فى مسائل كخصخصة شركات القطاع العام وعقود تصدير الغاز الطبيعى وتخصيص الأراضى المملوكة للدولة على أطراف العقود المباشرة، وهذا أمر لا شك أنه غير مسبوق، ويأتى لسد هذا الباب الذى سبب الكثير من عدم اليقين للمستثمرين بالحكم ببطلان عقود خصخصة شركات عامة بعد سنوات من انتقال ملكيتها للقطاع الخاص، بما فى ذلك المستثمرون الأجانب، وبطلان تخصيص أراض مملوكة للدولة.

كما تم تعديل قانون المزايدات والمناقصات بما يوسع من صلاحيات السلطة التنفيذية فى تخصيص الأراضى العامة بالأمر المباشر، خلافا لما كان قائما فى عهد مبارك، والذى زخر عهده بحالات تخصيص بالأمر المباشر بالمخالفة للقانون ما لبثت أن تعرضت للطعن أمام مجلس الدولة وللحكم ببطلانها كما كان الحال مع أرض مدينتى وأرض توشكى التى صدر قرار بتخصيصها لشركة مملوكة من الأمير الوليد بن طلال فى عهد رئيس الوزراء الأسبق عاطف عبيد.

ومع هذين التعديلين الجوهريين فى علاقة الدولة برأس المال الخاص الكبير والأجنبى خاصة، أتى مشروع قانون الاستثمار الموحد، وفتح الباب لأول مرة أمام دخول القطاع الخاص الوطنى وكذلك الأجنبى إلى مجالات لم تكن عرضة للخصخصة فى عهد مبارك كالمرافق العامة من شرب وكهرباء وبنية أساسية من طرق وموانئ، ويجرى الحديث الآن عن التوسع فى صيغ الشراكة بين القطاع الخاص والدولة فى مثل هذه المجالات باعتبارها واحدا من أهم الجوانب رواجا لجذب الاستثمارات الأجنبية فى مؤتمر شرم الشيخ.

وبالتوازى مع مشروع قانون الاستثمار الموحد عملت الحكومة على تطوير مشروعى قانونى العمل والخدمة العامة، ومن غير الواضح ما إذا كانت هذه القوانين ستصدر قبل انعقاد البرلمان القادم أم أنها ستنتظر انعقاده خاصة مع تعثر تمثيل أصحاب المصلحة فى حالة قانون العمل الجديد.

مما يثير الانتباه إذن أن هناك تعديلات تشريعية واسعة النطاق وبالغة العمق جرت فى الشهور القليلة استخدمت فيها السلطة التنفيذية ــ المؤقتة فى عهد المستشار عدلى منصور والدائمة بعد انتخاب المشير السيسى رئيسا ــ صلاحيات التشريع المعقودة لها فى ظل غياب البرلمان لتمرير العديد من التشريعات الاقتصادية، دون عرض للحوار المجتمعى ودون عقد مفاوضات لتمثيل المصالح المختلفة ذات الصلة بها بل وفى كثير من الأحيان دون الكشف عن الأعمال التحضيرية والمسودات لحين صدروها فى صورة قوانين بقرارات جمهورية، وبالقطع دون توافر حالة الضرورة التى تبرر ممارسة السلطة التنفيذية للتشريع فى ظل غياب البرلمان.

ولم تأت هذه التعديلات التشريعية فحسب على حساب السلطة التشريعية بل استهدفت كذلك تقليص صلاحيات القضاء ــ خاصة الإدارى ــ بشكل ملحوظ وغير مسبوق، وعلى الرغم من الجدل الواسع حول أحكام مجلس الدولة بصدد قضايا كالخصخصة وتخصيص الأراضى، وما لها من أثر فى اضطراب أسواق المال وزلزلة مناخ الاستثمار فى وقت يسعى الاقتصاد فيه للتعافى إلا أنها كانت السبيل ربما الأوحد لممارسة المجتمع المدنى لأى قدر من الرقابة والمحاسبة على المال العام مع غياب البرلمان ــ وضعف دوره تقليديا فى ممارسة السلطة التنفيذية حال انعقاده ــ وفى ظل ضعف الهيئات الرقابية وعدم تمتعها بالاستقلالية الكافية عن السلطة التنفيذية.

وعلى الرغم من أن التعديلات التشريعية الأخيرة تستهدف تأمين رءوس الأموال بما يكفل إعادة جذبها للاقتصاد المصرى، وبما سينعكس إيجابا على معدلات النمو والتشغيل ــ فإن ظروف وتوقيت تمرير مثل هذه التشريعات يتجاهل المضمون السياسى والاجتماعى لها، ويقوم على استبعاد مختلف الأطراف المجتمعية ذات الصلة من أصحاب الأعمال ورأس المال المصريين أنفسهم إلى ممثلى العمال وهيئات المجتمع المدنى والأهلى، وهو أمر فى جملته لا يؤسس لنموذج تنموى على المدى البعيد قائم على القبول الاجتماعى وعلى المفاوضة والمشاركة، ويجافى حقيقة أن الاقتصاد فى نهاية المطاف ليس مساحة منعزلة توجد خارج التفاعلات السياسية والاجتماعية.

تم نشر هذا المقال في الشروق.