بعدما تقاعست الحكومة المصرية طيلة سنوات عن اتخاذ خطوات كافية لمعالجة المشكلات التي تعاني منها البلاد في قطاعَي الطاقة والكهرباء، تحرّكت وأخيراً بهدف تحقيق الاستدامة. لقد تجاوز الطلب على الطاقة، الذي يغذّيه الدعم الحكومي، الإنتاج المحلي طوال سنوات، ماأدّى إلى تضخّم فاتورة الدعم الحكومي، وتخلُّف الإنتاج الكهربائي إلى حد كبير عن اللحاق بالطلب، وتوتّر العلاقات مع شركات الطاقة الأجنبية، والاعتماد المتزايد على مصادر النفط والغاز الخارجية الأغلى ثمناً. بيد أن الحكومة المصرية بدأت، في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي، اتخاذ إجراءات فعلية لمعالجة هذه المسائل، تشمل إصلاح الدعم الحكومي وتجديد التركيز على مصادر الطاقة البديلة، مثل المصادر المتجددة كالطاقة الشمسية والرياح.

بغية تطوير مشاريع الطاقة المستقبلية، تعتمد الحكومة بقوة على القطاع الخاص، وقد وضعت قوانين وتنظيمات جديدة لاستقطاب الاستثمارات الخاصة، لاسيما الاستثمارات من الشركات الأجنبية. وتُوِّجت الجهود المصرية الهادفة إلى استقطاب الشركات المتعددة الجنسيات بمؤتمر دعم وتنمية الاقتصاد المصري الذي عُقِد في وقت سابق هذا الشهر وسُلِّطت عليه الأضواء بشدّة، وقد نجح المؤتمر في استقطاب استثمارات بقيمة مليارات الدولارات سوف يُوظَّف الجزء الأكبر منها في مشاريع الطاقة والكهرباء.

لطالما سلك قطاع الطاقة في مصر مساراً غير مستدام. فقد ازداد استهلاك النفط والغاز بمعدل 36 و62 في المئة على التوالي، في غضون عشر سنوات حتى العام 2013، ولايُتوقَّع أن تتراجع هذه النزعة في المستقبل المنظور. هذا الطلب التصاعدي يُغذّيه، من جملة أمور أخرى، الدعم الحكومي الكبير للمنتجات النفطية والكهرباء، ماأدّى بدوره إلى تضخّم فاتورة الإعانات الحكومية التي تشلّ الوضع المالي للحكومة والاقتصاد في شكل عام. العام الماضي، بلغت فاتورة الدعم الحكومي لقطاع الطاقة 126 مليار جنيه مصري، أو 22 في المئة من الموازنة و7 في المئة من إجمالي الناتج المحلي، وهذا يوازي ضعف ماكانت عليه قبل ثورة 2011، كما يزيد مئة مرة وأكثر عن قيمة الفاتورة قبل عشرين عاماً.

وكذلك تزامن ارتفاع الطلب على الطاقة، بدعمٍ من الإعانات الحكومية، مع تراجع الاحتياطيات الهيدروكربونية ومعدلات الإنتاج، مااضطُرّ الحكومة إلى الشروع في إعادة توجيه حصّة شركات النفط والغاز الدولية من الوقود المخصّص للتصدير نحو السوق المحلية. وقد تسبّب ذلك باستنزاف احتياطيات العملات الأجنبية - التي تراجعت بمعدل أكثر من 20 مليار دولار منذ أواخر العام 2010 وباتت الآن دون العتبة الحرجة التي حدّدها صندوق النقد الدولي والتي تفرض امتلاك احتياطيات بالعملات الأجنبية تكفي لتمويل الواردات طيلة ثلاثة أشهر - لابل أدّى أيضاً إلى تشنّجٍ في العلاقات مع شركات النفط والغاز وكبح الاستثمارات التي تشكّل حاجة ماسة في القطاع. وكانت المتأخرات المستحقة التسديد من الحكومة المصرية لشركات النفط والغاز مصدراً أساسياً للقلق، فقد بلغ مجموعها نحو سبعة مليارات دولار، قبل أن تسدّد الحكومة جزءاً كبيراً منها، فتنخفض إلى 3.1 مليارات دولار، وتستقر عند هذا المبلغ في الوقت الحالي.

عند تنصيب السيسي رئيساً للبلاد العام الماضي، كانت الاستثمارات في قطاع النفط قد تراجعت بنسبة تفوق الستين في المئة مقارنةً بالعام السابق، وكانت الإعانات الحكومية تسجّل مستويات قياسية، وكان البحث في مصادر الطاقة البديلة لايزال مؤجّلاً. ولم يكن الاقتصاد قادراً على أن يستمر في تحمُّل عبء ماآلت إليه أوضاع قطاع الطاقة. 

تتمحور الإصلاحات التي تعمل الحكومة المصرية حالياً على تطبيقها في قطاعَي الطاقة والتيار الكهربائي، حول الجهود الهادفة إلى تلبية احتياجات الشركات والأعمال الخاصة واستقطاب الاستثمارات الخارجية. لم يعد بإمكان الحكومة التي لطالما احتكرت توزيع الكهرباء وبيعها، تمويل احتياجات البلاد من التيار الكهربائي. وفقاً للمعلومات الواردة على الموقع الإلكتروني لمؤتمر دعم وتنمية الاقتصاد المصري، ينبغي على مصر زيادة قدرتها الإنتاجية بمعدل 5.2 جيغاواط سنوياً من الآن حتى العام 2022 لتلبية الطلب، أي أكثر من ضعف القدرة الإنتاجية الحالية. لكن ذلك يتطلب 35 مليار دولار أميركي، أي خمسة مليارات دولار في السنة في الأعوام السبعة المقبلة. وهذا المبلغ يفوق احتياطيات العملات الأجنبية المصرية بحوالي عشرين مليار دولار. خلاصة الأمر أن مصر تحتاج إلى القوة التمويلية للقطاع الخاص كي تبقى أنوارها مضاءة.

عمدت الحكومة المصرية إلى تطبيق عدد من المبادرات الداعمة للأعمال، في مسعى لتمهيد الطريق من أجل استقطاب الاستثمارات الأجنبية في المرحلة التي سبقت المؤتمر الاقتصادي. وقد تضمّنت هذه المبادرات وضع منظومة خاصة بتعرفة التغذية بالطاقة المتجددة تتيح لمنتجي التيار الكهربائي بيع الطاقة الكهربائية التي يتم توليدها من مصادر الطاقة المتجددة إلى الشبكة الوطنية، فضلاً عن قانون جديد للاستثمارات حظي بموافقة الحكومة في منتصف آذار/مارس الجاري، ويؤمّن للمستثمرين الأجانب حماية إضافية من النزاعات القانونية، إلى جانب خفض الإجراءات البيروقراطية، وسواها من المحفّزات. وكذلك طبّقت الحكومة سياسات مالية تعود بالفائدة على الاستثمارات الأجنبية في قطاع الطاقة، منها إصلاحات الدعم الحكومي مثل الزيادة الشاملة في أسعار المحروقات والكهرباء التي بوشر العمل بها اعتباراً من تموز/يوليو الماضي.

وقد تُوِّجت الإجراءات الحكومية لإصلاح قطاعَي الكهرباء والطاقة وتطويره بمؤتمر دعم وتنمية الاقتصاد المصري الذي استقطب استثمارات خاصة بقيمة مليارات الدولارات، جرى توجيه معظمها نحو قطاع الكهرباء، ومنها التزامات ضخمة من شركات دولية مثل "سيمنز" و"جنرال إلكتريك"، وكلتاهما ستؤدّيان دوراً ريادياً في توليد الطاقة في مصر في المستقبل. فقد تعهّدت شركة "سيمنز" استثمار أكثر من عشرة مليارات دولار لتطوير القطاع الكهربائي. في المجموع، وقّعت مصر مذكرات تفاهم بقيمة 22 مليار دولار، بحسب التقارير، من أجل توليد الطاقة الكهربائية، مع الاتفاق على مبلغ إضافي قدره 21.5 مليار دولار لتوظيفه في مشاريع في قطاع النفط والغاز.

في حين أن الإصلاحات الهادفة إلى استقطاب الاستثمارات الخاصة كانت ضرورية من أجل تصحيح أوضاع الطاقة وتوزيع التيار الكهربائي في مصر، يبدو أنه جرى حالياً تأجيل البحث في الإجراءات التي من شأنها أن تؤدّي إلى كبح تأثيرات الزيادة في أسعار المحروقات والتيار الكهربائي على الشرائح السكانية الأكثر فقراً وهشاشة. لكن غالب الظن أن الحكومة سوف تستخدم منظومة البطاقة الذكية المطبّقة حالياً في توزيع المحروقات من أجل مكافحة الاستغلال والتهريب في السوق السوداء، مايؤمّن آليةً من شأنها أن تتيح للحكومة توجيه المحروقات المدعومة نحو الفئات السكانية الأشد عوزاً، على غرار المنظومة المطبقة حالياً لتوزيع الدعم الحكومي للخبز. (لم يتقرّر بعد اعتماد آلية مماثلة في مجال استهلاك الكهرباء).

سوف يؤدّي التراجع الأخير في أسعار النفط الخام إلى انخفاض التضخم في الوقت الحالي، بيد أن الزيادات الحادة في أسعار الغاز الطبيعي، الذي يُستخدَم في توليد الجزء الأكبر من التيار الكهربائي في مصر، ستُبقي على الارتفاع في أسعار الطاقة الكهربائية. في هذا السياق، يشار إلى أن أسعار المحروقات والكهرباء سجّلت زيادة شاملة في تموز/يوليو الماضي، مع ارتفاع سعر الوقود الأكثر شعبية المستخدم في السيارات بنسبة 78 في المئة، ماشكّل الخطوة الأولى في الإصلاحات الحكومية لمنظومة دعم الطاقة. لكن مازال على مصر أن تقطع شوطاً طويلاً قبل أن تتساوى الأسعار مع معدلات السوق. بحسب أحدث الأرقام الصادرة عن الهيئة المصرية العامة للبترول، والتي ترصد المصالح النفطية في البلاد ، بلغت لإيرادات المحلية من حساب الطاقة 57 في المئة من تكلفتها، أو ما يقرب من 23 مليار جنيه عجز. . يضاف إلى هذا العبء الزيادة المتوقّعة في أسعار الغاز الطبيعي المنتج محلياً والمستورَد على السواء. فخلال العام المنصرم مثلاً، نجحت الشركات الأجنبية في مصر في الحصول على أسعار أكثر تنافسية تدفعها الحكومة مقابل شرائها للغاز الطبيعي، وتتراوح هذه الأسعار الآن من 4 إلى 6 دولارات لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، بعدما كانت تتراوح من 2.50 إلى 3 دولارات. ويُتوقَّع أن تسجّل أسعار الغاز المستورَد معدلات أعلى. وقد حصلت مصر مؤخراً على المرافق الضرورية للشروع في استيراد الغاز الطبيعي المسال. وبحسب التقديرات، ستتراوح كلفة هذه الشحنات من الغاز من 9 إلى 12 دولاراً لكل مليون وحدة حرارية بريطانية. ولن تقتصر هذه الضغوط التضخمية الناجمة عن أسعار الغاز الطبيعي على قطاع الكهرباء بل ستمتد إلى صناعات وقطاعات أخرى تعتمد على الغاز الطبيعي كعنصر أساسي، منها الأسمدة والبتروكيماويات، فضلاً عن سيارات الأجرة في مصر التي تعمل بواسطة الغاز الطبيعي.

شكّل مؤتمر دعم وتنمية الاقتصاد المصري نقطة الانطلاق لاستراتيجيةٍ إنمائية تعتمد بشدة على القطاع الخاص والاستثمارات الخارجية. منذ انعقاد المؤتمر، انتقد عدد كبير من مراقبي الشؤون المصرية الخطة الجديدة التي اعتبروا أنها تعتمد حصراً على الاستثمارات الخارجية الطائلة ومشاريع البنى التحتية لمنح اندفاعة للاقتصاد - بمايُذكّر بسياسات السوق الليبرالية التي اعتمدها الرئيس الأسبق حسني مبارك والتي أدّت إلى إثراء حفنة قليلة من الأشخاص من دون أن تعود بفوائد تُذكَر على المصريين في شكل عام. هذه الانتقادات صحيحة إلى حد ما، لكنها لاتنطبق على المبادرات الحالية التي تقوم بها الحكومة المصرية من أجل تطوير البنى التحتية الكهربائية. ليس أمام مصر من خيار سوى التحول نحو الاستثمارات الخاصة لتعزيز بنيتها التحتية الكهربائية ووضع حد للتقنين المستمر في القطاع الكهربائي الذي تعاني منه البلاد. ونظراً إلى الحاجة إلى استثمارات إضافية بقيمة مليارات الدولارات، من شأن الإفساح في المجال أمام القطاع الخاص للمشاركة في توزيع التيار الكهربائي أن يتيح للحكومة إبقاء الأنوار مضاءة في البلاد من دون استنزاف الصناديق الحكومية. يضاف إلى ذلك مبادرات القطاع الخاص الهادفة إلى تطوير توليد الطاقة الكهربائية من مصادر الطاقة المتجددة مثل الرياح والطاقة الشمسية وسواها من المصادر البديلة مثل الفحم والطاقة النووية، وهذا ضروريٌّ من أجل تنويع مصادر الطاقة بدلاً من الاتكال حصراً على موارد النفط والغاز الآخذة في التناقص. إلا أنه لايزال يتعين على الحكومة أن ترسي نوعاً من التوازن في مقابل هذه الأجندة الداعمة للأعمال والشركات عبر اتخاذ إجراءات لحماية الفئات السكانية الأكثر فقراً وهشاشة من الزيادة المحتومة في أسعار الطاقة والكهرباء.

ألفريد جاسينز وبرندان ميغان باحثان اقتصاديان في غرفة التجارة الأميركية في مصر.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.