تعانى مصر ندرة الشركات والمنشآت الصغيرة ومتوسطة الحجم فى مقابل غلبة المنشآت متناهية الصغر التى توظف ما دون خمسة عاملين وعادة ما تمتاز بضآلة رأسمالها ومحدودية إنتاجية العاملين بها وصغر مجمل إنتاجها، وتمثل تلك المنشآت متناهية الصغر ما يزيد على ٩٤٪ من إجمالى منشآت القطاع الخاص فى مصر، وتوظف ما يزيد على ٨٠٪ من إجمالى عمالة القطاع الخاص، وذلك طبقا لإحصاءات الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء فى ٢٠٠٦، وفى مقابل هذه القاعدة العريضة من المنشآت كثيرة العدد ضئيلة الحجم تعتلى الشركات الكبرى مصرية كانت أو أجنبية قمة الإنتاجية وتتركز فى القطاعات ذات المحتوى التكنولوجى المرتفع والتى تمتاز بكثافة رأس المال، وبينهما تغيب الشركات الصغيرة والمتوسطة من حيث نصيبها فى عدد منشآت القطاع الخاص ومن حيث نصيبها فى التوظيف وكذا فى الناتج.

وقد حدا هذا بأدبيات التنمية الاقتصادية إلى اعتبار أن مصر تقدم تجليا فجا «للوسط المفقود» بمعنى أن منشآت القطاع الخاص إما شديدة الضخامة وإما شديدة الضآلة، وهو ما اعتبر دليلا على أن المنشآت متناهية الصغر لا تنعقد لها أسباب للنمو والتوسع قط حتى تدخل فئة الشركات الصغيرة أو المتوسطة، ولهذا انعكاسات جد خطيرة وسلبية فى المجمل على فرص تحديث القطاع الخاص، وإدخاله إلى قطاعات أكثر مهارة وأعلى إنتاجية ومن ثم أقدر على المنافسة سواء فى أسواق التصدير أو فى الأسواق المحلية الآخذة فى الانفتاح.

عمرو عادلي
عادلي هو باحث غير مقيم في مركز كارنيغي للشرق الأوسط، حيث تتناول أبحاثه الاقتصاد السياسي، والدراسات التنموية، وعلم الاجتماع الاقتصادي للشرق الأوسط، مع تركيز على مصر.
More >

إن مشكلة المشكلات التى تواجه المنشآت متناهية الصغر وتحول دون نموها إلى منشآت صغيرة أو متوسطة هى النفاذ إلى الأصول الثابتة وخصوصا الأراضى وإلى التمويل، وسوف ينسحب التركيز فى هذا المقال على قضية التمويل إذ تشير دراسة صدرت فى ٢٠١١ إلى أن القطاع المصرفى فى مصر مستعص بشكل شديد على المنشآت الصغيرة والمتوسطة ومتناهية الصغر، وذلك لأن نصيب الشركات الصغيرة والمتوسطة من إجمالى القروض البنكية فى مصر لم يتجاوز ٥٪ مقارنة بـ٢٤٪ فى المغرب و١٥٪ فى تونس وفى حين كان متوسط الإقراض فى البلدان العربية غير النفطية ١٣٪، وهو ما يعنى أن الأنصبة فى مصر كانت شديدة الانخفاض مقارنة بمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا علما بأن أنصبة الشركات الصغيرة والمتوسطة من القروض البنكية فى منطقتنا أشد انخفاضا عن شرق آسيا وشرق أوروبا وأمريكا اللاتينية، وهو ما يجعل مصر تتذيل منطقة هى بالفعل متذيلة العالم.

وطبقا لتقديرات البنك الدولى فى ٢٠١١ فإن القروض المصرفية تغطى ما هو دون ١٠٪ من إجمالى الاستثمارات فى المشروعات الصغيرة والمتوسطة ومتناهية الصغر، وتفيد دراسة أخرى صادرة فى ٢٠١١ كذلك أن ٩٥٪ من المنشآت الصغيرة والمتوسطة ومتناهية الصغر لا تملك حسابات مصرفية، ومن ثم لا تقوم بأية تعاملات مع الجهاز المصرفى.

تشير تلك الأرقام الصادمة إلى أن القاعدة الأعرض من القطاع الخاص فى مصر خارج نطاق المعاملات البنكية، وهو ما يعنى أن مهمة الجهاز المصرفى فى تحويل المدخرات إلى استثمارات تمر خارج الغالب الكاسح من منشآت القطاع الخاص، وتذهب فى المقابل إما لتمويل الدين الحكومى، باعتبار أن الحكومة هى أكبر مقترض من الجهاز المصرفى فى مصر، أو إلى منشآت القطاع الخاص الكبيرة.

وخلافا لما يذهب إليه بعض الدارسين والمراقبين فى أن مشكلات تمويل رأس المال الصغير فى مصر راجعة إلى غلبة المحسوبية والفساد فى النفاذ إلى التمويل فإن قضية التمويل تبدو أكثر هيكلية وراجعة فى الأساس إلى الأطر المؤسسية الحاكمة للقطاع المصرفى فى تعامله مع القطاع الخاص، والتى تقوم على تقليل مخاطر الإقراض عن طريق تقديم ضمانات عادة ما تكون أصولا ثابتة عقارية، وهو أمر يتعذر الحصول عليه أساسا لرأس المال الصغير، وهو ما يجعل القاعدة الأوسع من القطاع الخاص محصورة فعليا فى دائرة خبيثة من نقص رأس المال الذى يؤدى بدوره إلى المزيد من عدم النفاذ إلى رأس المال، ومن ثم عدم القدرة على النمو أو التوسع أو رفع الإنتاجية، ومن ثم ظاهرة الوسط المفقود، والحالة الرثة للقطاع الخاص فى إجماله فى مصر.

ويعد بديل توافر الضمانات العينية للاقتراض هو توافر قدرات مؤسسية لدى البنوك لدراسة المشروعات المتقدمة لطلبات التمويل وتقدير المخاطر بناء عليها، وهو أمر مفقود فى أغلب القطاع المصرفى حتى الآن، والذى يفضل تجنب المخاطرة بالاستثمار فى شراء السندات والأذون الحكومية أو بقصر تعاملاته مع القطاع الخاص فى الشركات الكبرى التى تملك من الأصول الثابتة ما يقلل من المخاطر فى حالات التعثر، ولعل الإحجام عن المخاطرة مبرر لدى مديرى البنوك فى ضوء التخلف المزرى الذى يميز قواعد الإفلاس القانونية، وتباطؤ إجراءات التقاضى. 
وثمة مشكلة ثالثة وهى عدم توافر معلومات كافية عن القاعدة الأعرض من القطاع الخاص فى مصر، والتى تفضل حجب المعلومات الحقيقية عن نشاطها وحجم رأس مالها عن أجهزة الدولة تجنبا لدفع الضرائب أو تخفيضا لتكلفة الابتزاز والفساد، ويؤدى هذا إلى عدم قدرة المصارف على التعرف على المتقدمين لطلبات التمويل، ومن ثم الإحجام عن المخاطرة.

إن الخلاصة ببساطة أن قضية التمويل لرأس المال الصغير فى مصر تتجاوز مجرد القطاع المصرفى وتتفرع إلى قضايا كالضرائب ووفرة المعلومات لدى أجهزة الدولة وتيسير الحصول على أراضى الدولة لأغراض استثمارية للمشروعات الصغيرة والمتوسطة وعلاج نهم الدولة المفرط للاقتراض من الجهاز المصرفى لسد العجز وتمويل الدين العام، ومن هنا فليس علاج قضية تمويل رأس المال الصغير فى إيجاد برامج خاصة أو صناديق للتمويل بقدر ما يكمن العلاج فى إعداد وتطبيق استراتيجية شاملة متعددة القطاعات لإصلاح مشكلة الوسط المفقود.

تم نشر هذا المقال في الشروق.