يكاد ينصب كل تركيز الفريق الاقتصادى بالحكومة المصرية على القضايا المالية والنقدية الملحة كإعادة بناء الاحتياطيات الدولارية وسد الفجوة التمويلية فى موازنة الدولة وفى ميزان المدفوعات إلى جانب كبح جماح التضخم وتهيئة الاقتصاد لاستعادة النمو بعد سنوات من التباطؤ نتيجة للاضطراب السياسى والاجتماعى الذى تلا ثورة يناير.

ويهيمن هذا المنظور المنشغل بالقضايا المباشرة على مسائل ذات أثر طويل الأجل على هيكل الاقتصاد المصرى فينظر إلى جذب الاستثمارات الأجنبية من زاوية علاج اختلال ميزان المدفوعات لا من منظور سياسة صناعية ترتبط بإعادة تعريف وإعادة هيكلة النموذج التنموى لمصر بشكل عام بتحديد القطاعات التى يمكن الاستثمار فيها والاعتماد عليها لتوليد النمو فى المدى البعيد، ولخلق فرص عمل مناسبة كما وكيفا، كما أدت غلبة الهم المباشر بقضايا التمويل إلى إرجاء ـ وربما إلغاء ـ الحديث الجدى عن جوانب التوزيع وإعادة التوزيع للنظام الاقتصادى المراد تبنيه فى مصر رغم ارتباط هذا الأخير ارتباطا عضويا ومباشرا بشتى محاولات إرجاع الاستقرار الاجتماعى للبلاد، وللتأسيس لسلطة سياسية مستقرة وقابلة للاستمرار.

عمرو عادلي
عادلي هو باحث غير مقيم في مركز كارنيغي للشرق الأوسط، حيث تتناول أبحاثه الاقتصاد السياسي، والدراسات التنموية، وعلم الاجتماع الاقتصادي للشرق الأوسط، مع تركيز على مصر.
More >

قد يرد أحدهم على الفقرة السابقة بأنه لا مجال للحديث عن القضايا الهيكلية وبعيدة المدى كون مصر تمر بمرحلة استثنائية بعد اضطراب سياسى واجتماعى غير مسبوق فى تاريخها الحديث، ولشدة الأزمات المالية والنقدية، وهو قول إما يتبنى أجندة اقتصادية اجتماعية محافظة ترى أن غاية المراد من رب العباد هى العودة إلى ديسمبر ٢٠١٠، وتتجاهل ببساطة حقيقة أن توليد معدلات نمو مرتفعة وجذب استثمارات أجنبية والتوسع فى الصادرات لا يترجم مباشرة إلى نموذج اقتصادى تنموى للغالبية من المواطنين، ولا يسهم من ثم فى الاستقرار السياسى والرضاء الاجتماعى، وإما أن أصحاب ذلك القول لا يرون ما هو أبعد من سنة أو سنتين قادمتين، ولا يستطيعون تجاوز المنظور الاقتصادى النيوكلاسيكى ذى النزعة الرقمية إلى رؤية أكثر رحابة واستراتيجية تنطلق أول ما تنطلق من الحاجات الاجتماعية والسياسية لاقتصاد أكثر إنتاجية وأكثر عدالة فى شقى التوزيع وإعادة التوزيع.

وهنا ترتد الكرة إلى ملعب من يرون أنه يمكن تجاوز هذا الفكر الضيق ويطرح السؤال نفسه هل هناك حقا مساحة لإصلاحات هيكلية للاقتصاد المصرى فى اللحظة الراهنة؟ وذلك بعيدا عن الشعارات الجوفاء والكلام العام الخالى من أى مضمون عملى وغير القائم على معرفة، ولكن فى الوقت ذاته يبعد عن الكلام المغرق فى الواقعية المزعومة، والذى يستغرق فى وصف الواقع بدلا من البحث عن سبل لتغييره.

نعم هناك مساحة لإصلاحات تغير من هيكل نموذج التنمية فى مصر فى ضوء الموارد المتاحة، وفى ضوء القيود العالمية والإقليمية، وأول هذه المساحات هى توسيع فرص النفاذ للأصول الثابتة وخاصة الأراضى المخصصة لأغراض الاستثمار والنشاط الاقتصادى عامة لتشمل القاعدة العريضة من القطاع الخاص صغير ومتوسط الحجم، فمصر ولا شك بلد إن كان يملك شيئا فهو يملك مساحة صحراوية شاسعة تمثل نحو ٩٤٪ من الإجمالى، وهذا لا يعنى وجود وفرة فى المطلق وذلك لأن تكلفة تجهيز الأراضى لأغراض السكن أو النشاط الاقتصادى زراعيا كان أو صناعيا أو خدميا تجعل الأراضى المرفقة ـ أى المزودة بالمرافق ـ نادرة، ولكن فى الوقت ذاته هذا لا يبرر كون مصر إحدى الحالات الأشد صعوبة للحصول على أراض للاستخدامات الاقتصادية ـ وكذا للسكن ـ فى العالم أجمع طبقا لتقرير مفصل للبنك الدولى صدر فى ٢٠٠٧ حول حالة الأراضى فى مصر. وهو ما لا يتماشى مع امتداد المساحة، ولا مع إدارة أفضل لتوزيع النفاذ للأراضى العامة بما يخدم نمو وتوسع القاعدة العريضة من القطاع الخاص. فهذه قضية مطروحة بالفعل منذ عقد على الأقل من الزمان، وهناك مجهود بحثى كبير تراكم منذ عهد حكومة أحمد نظيف، ورغم اشتداد عزيمة صائغى القوانين المنظمة للحياة الاقتصادية فى الشهور القليلة الماضية لإصلاح جهاز الدولة الإدارى وتعديل مناخ الاستثمار إلا أن تنقية وتعديل الأطر القانونية والمؤسسية الحاكمة لإدارة أراضى الدولة ليس محل طرح.

ومن المنتظر أن ينعكس نفاذا أكثر سهولة وأقل كلفة للرأسمالية الصغيرة والمتوسطة على فرص نفاذهم للتمويل البنكى على أساس أن القطاع المصرفى المصرى يستند فى إقراضه التجارى على ضمانات ثابتة وخاصة العقارات، وهو ما سيكون له أثر بعيد المدى وشديد العمق على فرص نمو وتنافسية القاعدة العريضة من القطاع الخاص فى مصر، وعلى زيادة تعاملات تلك القاعدة مع الأجهزة الرسمية كالبنوك وما يرتبط بها من توافر معلومات للدولة على نحو يدفع الاقتصاد برمته نحو المزيد من الرسمية، وهى هدف منشود طالما تحدثت به الحكومات المتعاقبة.

وبجانب تعديل النفاذ للأصول وخاصة الأراضى العامة فإن هناك مساحة أخرى للحركة تتعلق بإعادة هيكلة الإنفاق الحكومى على المدى البعيد بما يتجاوز الهموم المباشرة الخاصة بالعجز والدين، وبما يربط إنفاق الدولة بسياسة صناعية أشد شمولا وأبعد مدى، فالحاجة لزيادة إنفاق الدولة الاستثمارى مسلم بها فى بلد يعانى انخفاض معدلات الاستثمار الكلية والاستثمار الخاص، وهذا أمر يمكن التوصل إليه إذا أفلحت الدولة فى زيادة إيراداتها الضريبية وتخفيض نفقاتها الجارية، ولكن تحت هذا العنوان لابد من توفر تصور أكثر دقة وتفصيلا حول شكل الاستثمارات الحكومية المستقبلية فالحديث عن زيادة الإنفاق على التعليم والصحة وبرامج الحماية الاجتماعية أمر حسن، ولكن يظل السؤال إلى أين ستذهب الزيادات؟ وهل هناك تصور لتوزيع جغرافى معين لتلك الزيادات؟ وهل هناك قنوات تواصل مع أصحاب الشأن فى مسائل كالتعليم والتدريب المهنى ويقصد بهم هنا العمال والطلاب (عمال الغد) وأصحاب رءوس الأموال أم أن المبادرة الحكومية تدور فى فراغ؟

تم نشر هذا المقال في الشروق.