أشار الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في مناسبات عدّة إلى أهمية تجديد الخطاب الديني الإسلامي، مطالباً علماء الأزهر الشريف ووزارة الأوقاف القيام بـ"ثورة دينية" لإصلاح الفكر الديني وتصحيح مفاهيمه. وقد استجابت المؤسسات الدينية الرسمية إلى تلك الدعوة، وأعلنت أنها بصدد إجراء عملية لإصلاح مناهج الدين والخطاب الدعوي، بهدف مواجهة الفكر المتطرّف الداعي إلى العنف. لكن، هل في وسع تجديد الخطاب الديني وقفَ موجة العنف الراهنة في مصر؟ 

الإجابة باختصار لا، لسببين رئيسَين: 

أوّلاً: ثمة تصوّر أن الانضمام إلى الجماعات الجهادية، يسبقه بالضرورة تبنّي أفكار متشدّدة دينيّاً، ومن ثَمَّ يمكن مواجهة هذه الجماعات بتجديد الخطاب الديني. ربما ينطبق هذا الأمر على بعض الحالات، إلا أن تتبُّع مسار الشباب المصري الذي قرّر الانضمام إلى الجماعات الجهادية، يشي بأن قطاعاً كبيراً منهم قرّر الانخراط في التنظيمات العنيفة لأسباب لاعلاقة لها بتبنّي أفكار دينية متشدّدة، بل متعلّقة أساساً بالأوضاع السياسية والاجتماعية، كالشعور بالظلم أو التهميش، أو مايرونه واجباً عليهم لرفع الظلم عن المستضعفين. يدفع هذا الأمر هؤلاء الشباب إلى البحث عن وسيلة لتغيير الواقع السياسي والاجتماعي، فيقاربون التنظيمات والفكر الجهادي، ويَروْن فيها وسيلة فعّالة لتغيير مجتمعاتهم. في الكثير من الحالات، يسعى الشباب أوّلاً إلى الأنضمام إلى الجماعات الجهادية، ثم يتبنّون الفكر الجهادي بعد التحاقهم بها، على عكس ما يتصوّر الكثيرون. وبالتالي، تجديد الخطاب الديني لن يمنع تلك الفئة من الانضمام إلى جماعات العنف الديني، بل يحتاج الأمر إلى مقاربة أكثر شمولية تطال الجوانب السياسية والاقتصادية للتطرف.

جورج فهمي
فهمي باحث زائر في مركز كارنيغي للشرق الأوسط، تتركّز أبحاثه على القوى الدينية في مرحلة الانتقال الديمقراطي، والتفاعل بين الدين والدولة، والأقليات الدينية.
More >

ثانياً: للمؤسسة الدينية الرسمية الممثّلة في الأزهر الشريف ودار الإفتاء ووزارة الأوقاف دورٌ بالتأكيد في تفنيد خطاب التشدّد الديني الذي يدعو إلى العنف، لكن مشكلة تلك المؤسسات لاتكمن في خطابها الديني بل في شرعيتها الدينية. فالشباب الناقم على الأوضاع السياسية والاقتصادية في البلاد، والراغب في الانضمام إلى التنظيمات الجهادية، يعتبر المؤسسات الدينية الرسمية مستلحَقة بالنظام الحاكم، ومن ثَمَّ لايلتفت إلى خطابها سواء كان معتدلاً أو محافظاً، لأنه يمثلّ، برأيه، خطاب السلطة السياسية. وبينما يبدو شيخ الأزهر واعياً لهذا الامر ويسعى في حدود قدراته إلى الحفاظ على مسافة ما بين الأزهر والنظام السياسي، إلاّ أن خطاب كل من وزارة الأوقاف ودار الإفتاء، غير قادر على الحفاظ على تلك المسافة، مايُضعف شرعيتها أمام قطاع مهم من جمهورها، خاصة الشباب. 

 لكي تقوم المؤسسات الدينية الرسمية بدور فعّال في مواجهة خطاب ممارسة العنف باسم الدين، عليها أن تبدأ أوّلاً بإصلاح المجال الديني، قبل أن تشرع في إصلاح الخطاب الديني. يقوم إصلاح المجال الديني على خطوتين أساسيتين: ضرورة محافظة المؤسسة الدينية الرسمية على استقلالها عن النظام السياسي، وإدراك الحدود الفاصلة بين مؤسسات الدولة وبين النظام السياسي.

فالمؤسسات الدينية الرسمية هي جزءٌ من مؤسسات الدولة، إلا أنها ينبغي أن تحافظ على مسافة واحدة حيال كل القوى السياسية، بما في ذلك النظام الحاكم، حتى تضمن استقلاليتها وتستعيد شرعيتها داخل المجال الديني. ثانياً، ينبغي أن تتخلّى المؤسسات الدينية الرسمية عن سياسة احتكار المجال الديني، وأن تفتح أبواب المجال الديني أمام كل الفاعلين الدينيين، طالما أنهم يبتعدون عن خطاب العنف والكراهية. ليكُن دورُ المؤسسة الدينية الرسمية إدارةَ المجال الديني وفقاً لقواعد محايدة تُطبَّق على جميع الأطراف العاملة من دون استثناءات، وليس احتكاره لصالح خطاب ديني واحد. تدفع سياسات وزارة الأوقاف الحالية بقطاعٍ من الشباب إلى هجرة المجال الديني الرسمي والبحث عن المعرفة الدينية خارجه، مايدفع إلى نشأة مجالٍ ديني موازٍ من خلال وسائل التواصل الاجتماعي والاجتماعات الخاصة. وهذا مايوفرّ بيئة حاضنة خصبة للتنظيمات السلفية الجهادية كي تنشر أفكارها وتجنّد أعضاء في ظل غياب أي سلطة لمؤسسات الدولة على تلك المساحات الموازية. والحال أن وزارة الأوقاف التي سعت إلى أن تحتكر المجال الديني لصالحها، خلقت من دون أن تدري مجالاً دينياً موازياً لم تكن هي حتى أحد أطرافه.

لاجدال في ضرورة مراجعة كل مؤسسة دينية، رسمية كانت أم غير رسمية، لخطابها الديني ومفاهيمها. لكن تلك المراجعة لاينبغي أن تتم بشكلٍ فوقي بطلب من السلطة السياسية، بل يتعينّ أن تكون نتيجة حوارٍ ونقاشٍ داخليَّين. كما لاينبغي أن يتم فرضها على المجتمع باعتبارها "الصورة الصحيحة للإسلام"، بل يتعيّن على كل طرف أن يدعو إلى أفكاره الدينية في مناخ ديني يتّسم بالتعددية والحرية، وتقوم الدولة بإدارته لاباحتكاره لصالحها.

تم نشر هذا المقال في الشروق.