فيما تمثل المنشآت الصغيرة والمتوسطة ومتناهية الصغر ما يزيد على ٩٨٪ من إجمالي عدد المنشآت الاقتصادية لا يتجاوز نصيبها من إجمالي القروض البنكية ٥٪، ولا يتماشى هذا كذلك مع نصيبها في الناتج المحلي الإجمالي ولا مع دورها المحوري في توفير فرص للعمل. وتؤثر صعوبات الوصول إلى التمويل البنكي كثيرا على فرص النمو والتوسع المستقبلي، خصوصاً في بلد كمصر لا يزال القطاع الخاص يعتمد فيه بشكل أساسي على التمويل المصرفي في ضوء الضعف العام لأدوات التمويل غير المصرفي مثل سوق الأوراق والرهن العقاري ورأس المال المخاطر والتأجير التمويلي، والتي رغم مرور ما يزيد على عقدين على تقديمها للسوق المصرية فإنها لا تزال أعمالها محدودة، ونصيبها من الناتج المحلي لا يقارن بنصيب القطاع المصرفي.

إن المشكلة في التمويل البنكى لا تتمثل في نفاذ القطاع الخاص عامة إلى القروض البنكية، فطبقا لتقارير البنك المركزي المصري ــ مدعومة بتقديرات من البنك الدولي ــ فإن نصيب القطاع الخاص من إجمالي الإقراض البنكي مرتفع مقارنة بالمجموعة التى تنتمي إليها مصر من بين الدول النامية، بيد أن المشكلة الرئيسية تتمثل في اقتصار الإقراض البنكي تقريبا على الشركات الكبيرة دون القاعدة العريضة من القطاع الخاص، والتي إما أن تجد نفسها مفتقرة للحد الأدنى من رأس المال الثابت ــ الأرض والعقارات الأخرى ــ اللازم كضمانات للحصول على تمويل، أو تواجه أسعار فائدة وتكاليف إدارية بالغة الارتفاع، وهو ما يثني العديد من أصحاب تلك المنشآت عن التعامل مع البنوك مقابل الاعتماد على مصادر غير رسمية للتمويل كالشبكات العائلية والأصدقاء أو الاعتماد على الأرباح لتمويل النشاط المستقبلي، وكلها وسائل تمثل بدائل غير كاملة الفاعلية للتمويل المصرفي، وهو ما يؤدي في نهاية المطاف إلى افتقار الغالب الكبير من المنشآت الصغيرة والمتوسطة ومتناهية الصغر لرأس مال يمكنها من النمو ومن ثم خلق فرص عمل والمساهمة في معدلات النمو الكلية.

عمرو عادلي
عادلي هو باحث غير مقيم في مركز كارنيغي للشرق الأوسط، حيث تتناول أبحاثه الاقتصاد السياسي، والدراسات التنموية، وعلم الاجتماع الاقتصادي للشرق الأوسط، مع تركيز على مصر.
More >

ومن زاوية البنوك فهي تواجه مشكلتين أساسيتين الأولى متعلقة بعدم توفر ما يكفي من المعلومات حول المنشآت الصغيرة ومتناهية الصغر والمتوسطة مع استشراء اللارسمية في تعاملاتها، وهو ما يصعب من مهمة البنك لتقدير الوضع المالي للراغبين في الاقتراض وفرصهم المستقبلية للسداد، ومن ثم يرفع هذا من التكلفة التي يواجهها البنك خصوصاً أن البنوك لا تتعامل بأموالها بل تعتمد على إقراض أموال مودعة لديها لتحقيق عائد، ما يحتم عليها عدم الانجرار وراء مخاطر تهدد سلامة مركزها المالي في نهاية المطاف، وأما المشكلة الأخرى فهي ارتفاع تكلفة التعامل مع المنشآت ذات الحجم الصغير حيث يكون من المكلف دراسة كل حالة وجمع المعلومات حولها مقابل إقراض مبالغ صغيرة قد لا تبرر العبء الإداري. فإذا ما أضفنا إلى هذين العنصرين كون الحكومة أكبر مقترض من الجهاز المصرفي لتمويل العجز في الموازنة يتسنى لنا رؤية الصورة كاملة من حيث تجنب البنوك لمخاطر الإقراض، وهو أمر مفهوم وله ما يبرره في ضوء طبيعة عمل الجهاز المصرفي بأموال المودعين كما سبقت الإشارة.

وقد عمدت الحكومات المصرية المتعاقبة في العقدين الماضيين إلى التغلب على هذه المشكلة من خلال التوسع في إنشاء الصناديق والبرامج المتخصصة في إقراض الشركات الصغيرة والمتوسطة ومتناهية الصغر سواء داخل البنوك الحكومية أو في صورة مؤسسات قائمة بذاتها كالصندوق الاجتماعي للتنمية، وعلى الرغم من نشاط تلك البرامج والمؤسسات إلا أن الأرقام والمعدلات لم تتغير كثيراً على نحو لا يشى بحدوث علاج جذري لمشكلة التمويل المصرفي، ويضاف إلى هذا أن الشركات متوسطة الحجم، وهى ذات أهمية بالغة في أي اقتصاد، تواجه مشكلة استثنائية ومضاعفة في الوصول للتمويل إذ إنها تخرج عن نطاق الصندوق الاجتماعي للتنمية نتيجة كبر حجمها النسبي، وفي الوقت ذاته تتجنب البنوك التعامل معها لصغر حجمها النسبي وارتفاع المخاطر، ما يتركها معلقة. ويضاف لهذا أنه ما من قانون ينظم الإقراض للشركات الصغيرة والمتوسطة خلافاً لمتناهية الصغر، التي صدر لها أخيراً قانون ينظم التمويل.

قد يكون المخرج الفعلي من مشكلة الإقراض البنكي هو إيجاد مؤسسات غير بنكية تضطلع بإقراض الشركات الصغيرة والمتوسطة ومتناهية الصغر، فهذه المؤسسات لن يكون مصرحاً لها بممارسة نشاط البنوك المتمثل أساساً في جمع المدخرات في صورة ودائع، إنما سيصرح لها بممارسة أنشطة الإقراض برأس المال الخاص بالمساهمين، والذين سيخاطرون بأموالهم بغية استغلال تلك المساحات الشاسعة في السوق المصرية، والمتمثلة في مئات الآلاف من المنشآت التي تبحث عن تمويل، كما سيفتح هذا الباب أمام تلك المؤسسات غير البنكية لتقديم خدمات لعملائهم من أصحاب الشركات الصغيرة والمتوسطة بما يضمن المزيد من الشفافية في إتاحة المعلومات والفاعلية والكفاءة في الإدارة. وقد جرى هذا الأمر بالفعل في حالات كالأردن وسلطنة عمان، والتي سمحت لصناديق الاستثمار بممارسة أنشطة إقراض للمشروعات بجانب نشاطها الأصلي فى الاستثمار.

ويضاف لهذا أن وجود تلك المؤسسات قد يسهم في استيعاب جزء من رؤوس الأموال غير الرسمية التي تستخدم بالفعل للإقراض ولكن بشكل تغيب عنه أية رقابة حكومية، وبما يجعل المقترضين عرضة للاستغلال بأسعار فائدة شديدة الارتفاع، ويحرم المقرضين من أية حماية قانونية رسمية. ويمكن إسناد مهمة التنظيم والرقابة لهيئة الرقابة المالية مع التشديد على عدم تلقي تلك المؤسسات لأية ودائع واقتصار عملياتها على رأس مالها فحسب، وقد يتم وضع ضوابط قانونية ولائحية تحول دون استغلال المقرضين للمقترضين كالمغالاة في سعر الفائدة، وكذا تخفيف مخاطر الاقتراض كإلزام المتقدمين بطلبات للاقتراض بتقديم ما يكفي من المعلومات عن وضعهم المالي وعن حجم أنشطتهم.

تم نشر هذا المقال في جريدة الشروق.