لم يعد خافيا أن البنك المركزي يستخدم أدوات السياسة النقدية لإدارة السياسة التجارية من خلال تقليص فاتورة الواردات كإجراء ضروري لتدارك العجز في ميزاني التجارة والمدفوعات، ومن ثم الضغط المتزايد على الاحتياطيات الدولارية وبالتالي على العملة الوطنية، وفي مسعى لتبرير هذا التوجه سعى المركزي ودوائر مرتبطة به إلى استعراض المكونات الترفية في فاتورة الواردات مثل الكافيار والشوكولاته ولحم الطاووس وبيض النعام وغيرها من المنتجات النهائية الاستهلاكية التي حتما يمكن التخلي عنها في بلد يعاني من أزمة مزمنة في توفير العملة الصعبة اللازمة لاستيراد الواردات الأساسية من الوقود والغذاء.

بيد أن هناك انطباعا خاطئا حول الحجم النسبي لتلك الواردات الترفية، والتي لا تتجاوز في إجمالها ٣٠٠ إلى ٥٠٠ مليون دولار من فاتورة واردات تجاوزت الستين مليارا أي ما يقل عن ١٪ من الإجمالي. إن الحقيقة هي أن واردات مصر في مجملها من غير السلع الترفية فجزء كبير منها مواد أساسية من الغذاء كون مصر مستوردا صافيا للغذاء، وكذا واردات الطاقة كون مصر قد تحولت منذ ٢٠١٢ إلى مستورد صاف للطاقة مع تصاعد حاجتها لاستيراد الغاز الطبيعي بجانب البترول، وبجانب الغذاء والوقود فإن ثلثي فاتورة الواردات المصرية هي مدخلات إنتاج من الخامات والسلع الوسيطة والسلع الرأسمالية وليس من السلع النهائية ترفية كانت أم غير ترفية. ويعتمد قطاع الصناعة بالأخص على السلع الوسيطة والرأسمالية المستوردة كي يتمكن من الإنتاج سواء للسوق المحلية أو للتصدير.

عمرو عادلي
عادلي هو باحث غير مقيم في مركز كارنيغي للشرق الأوسط، حيث تتناول أبحاثه الاقتصاد السياسي، والدراسات التنموية، وعلم الاجتماع الاقتصادي للشرق الأوسط، مع تركيز على مصر.
More >

وتعني من هنا جهود الدولة لتشجيع التعافي الاقتصادي في القطاع الصناعي بغية خلق فرص عمل زيادة الطلب على المدخلات المستوردة. ويشير هذا الواقع إلى أن مسألة تقليص الواردات ـ إن أريد بها أن تكون هدفا طويل الأبد لعلاج اختلالات ميزان المدفوعات في مصر  وليس مجرد كإجراء عابر ردا على الأزمة الراهنة ـ يشير هذا إلى أن المسألة أكبر من الحد من الواردات الترفية وأكبر من إشارة محافظ المركزي السابق إلى أن الاقتصاد المصري قد تحول إلى اقتصاد تجار يعتمدون على الاستيراد دون الإنتاج، بل تدل مكونات الواردات إلى أن قطاع الصناعة في مصر يعاني من الضحالة، والعجز عن إيجاد روابط خلفية وأمامية من الصناعات التكميلية القادرة على توفير سلع وسيطة ورأسمالية بشكل اقتصادي تنافسي لمنتجي السلع النهائية. وهو ما يعني أن تقليص فاتورة الواردات كإستراتيجية ـ حال ما كانت بالطبع إستراتيجية أصلا ـ يستوجب تعديل السياسة التصنيعية في مصر بما يصب في اتجاه تطوير القطاعات المنتجة للسلع الوسيطة والرأسمالية، وخاصة السلع الوسيطة التي لا تستوجب مكونا تكنولوجيا مرتفعا.

إن وضع إستراتيجية لتعميق قطاع الصناعة في مصر مسألة معقدة من الناحية الفنية، ولها متخصصون يمكن أن يسهموا في صياغة الأشكال الأكثر اقتصادية لتحقيق مثل هذه المهمة. ولكن في الوقت نفسه من غير المنتظر أن يحدث هذا بدون تنسيق بين رأس المال الكبير الذي يهيمن على أغلب قطاعات الصناعات التحويلية وبين أجهزة الدولة لإيجاد أطر لتنسيق السياسات وتبادل المعلومات ثم الشروع في ترجمة هذا إلى أطر وبرامج لتعميق الروابط الصناعية سواء داخل المنشأة عن طريق إنشاء سلاسل إنتاج توفر السلع الوسيطة من داخل الشركة نفسها، وهناك بالفعل حالات في مصر لمجموعات أعمال صناعية كالسويدي للكابلات والإليكترونيات والعربي للأجهزة الكهربائية تقوم ولو جزئيا بتوفير جزء من سلسلة إنتاج لمنتجاتها النهائية، ولكن هناك بدائل أخرى بجانب الاندماج الأفقي وهي إيجاد شبكات تربط رأس المال الكبير بالقاعدة العريضة من القطاع الخاص وخاصة المنشآت الصغيرة والمتوسطة التي قد تتخصص في إنتاج السلع الوسيطة وتوريدها للمنتجين النهائيين، وهذا هو النموذج القائم في اليابان على سبيل المثال حيث يعتمد الكثير من الشركات العملاقة مثل تويوتا أو هوندا على المئات وربما الآلاف من المنتجين الأصغر حجما الذين يملكون الأيدي العاملة الماهرة والتكنولوجيا ويتبنون برامج تضعها الشركات الكبرى للجودة وجداول التسليم وهلم جرا.

وثمة تجارب سابقة يمكن البناء عليها فجهاز تحديث الصناعة على سبيل المثال كان يعمل على ذلك الملف في الفترة السابقة على ثورة يناير، وله نجاحات لا بأس بها في توفير معلومات عن القاعدة الكبيرة من المنشآت الصغيرة والمتوسطة، وتوفير خدمات لرفع الكفاءة الإدارية والفنية، وهو ما كان يمكن أن يؤدي إلى صياغة قاعدة بيانات وإيجاد أشكال لتبادل المعلومات وخلق فرص للشراكة مع رأس المال الكبير ومن ثم التنسيق مع الدولة لتقديم أشكال الدعم المختلفة لتحقيق الدمج والتعميق الصناعي، ومن غير المعلوم ما حدث لهذه التجربة بعد الثورة خاصة وأنها اعتبرت في جملتها مرتبطة بمصالح كبار رجال الأعمال الذين وجدوا يوما حول جمال مبارك، وهو أمر قد يكون صحيحا جزئيا ولكنه لا يعني أبدا الإجهاز على مثل هذا الإطار المؤسسي الذي جمع في قاعدته نحو عشرين ألف منشأة مختلفة الحجم.

 إن الخلاصة هي أنه إذا كان علاج اختلالات ميزان المدفوعات في مصر تقضي بالعمل على تخفيض الواردات فإن هذا لا سبيل له أن يحدث دون مقاربة هذه المسألة من خلال السياسة التصنيعية، وعدم الاقتصار على معالجتها بأدوات للسياسة النقدية التي يستخدمها المركزي لتحقيق هدف مالي بحت بغض النظر عن تداعياته الاقتصادية. وترتبط السياسة التصنيعية بالطبع بملفات عدة كسياسات الطاقة وسياسات التدريب المهني والتعليم، والتي بدورها ترتهن بإنفاق الدولة على الخدمات الاجتماعية كالصحة والتعليم، أي ببساطة شديدة فإن السياسة التصنيعية هي جوهر إستراتيجيات التنمية في أي بلد نام كمصر، وينبغي أن تكون كذلك في مسألة تخفيض الطلب على العملة الصعبة على المدى البعيد.

تم نشر هذا المقال في جريدة الشروق.