تبلغ الواردات المصرية ضعف الصادرات، وقد أصبحت هذه المعلومة منتشرة فى أوساط المصريين بفعل أزمة الدولار الأخيرة والضغوط التى ولدتها على الأسعار وعلى قيمة الجنيه المصرى، والحقيقة فإن النسبة بين الواردات والصادرات ليست وليدة بعض التطورات الاقتصادية التى جرت فى السنوات القليلة الماضية بقدر ما إنها ملمح ثابت فى ميزان التجارة منذ عقود. إذ إن الاقتصاد المصرى يستورد ضعف ما يقوم بتصديره من السلع. ويعتمد فى سد هذه الفجوة فى الميزان التجارى على توليد فوائض فى ميزانى الخدمات (قناة السويس والسياحة) وفى الميزان الرأسمالى (من خلال تحويلات العاملين بالخارج بالإضافة للمساعدات الخارجية والمنح). وفور ما تعرضت هذه المصادر لبعض التراجع فى السنوات القليلة الماضية انكشف على الفور وضع الواردات، والتى تمثل المصدر الأساسى للضغط على احتياطى العملة الأجنبية.

عمرو عادلي
عادلي هو باحث غير مقيم في مركز كارنيغي للشرق الأوسط، حيث تتناول أبحاثه الاقتصاد السياسي، والدراسات التنموية، وعلم الاجتماع الاقتصادي للشرق الأوسط، مع تركيز على مصر.
More >

وبينما اتجه البنك المركزى إلى الدفاع عما يملك من احتياطيات عن طريق التقليل من الواردات قدر الإمكان بدأت الآثار الانكماشية لهذا فى الظهور كون ٤٠٪ من الواردات طبقا لبيانات الجهاز المركزى للمحاسبات مكونة من سلع وسيطة ونصف مصنعة ضرورية لعمل قطاعات صناعية وزراعية وخدمية مهمة لتوليد النمو ولخلق فرص العمل. وإذا ما أضفنا السلع الرأسمالية والخامات التى تستخدم كمدخلات إنتاج ارتفعت النسبة إلى حوالى ثلثى إجمالى الواردات، وهو ما ينبه إلى خلل هيكلى وموطن ضعف مزمن عانت منه مصر باستمرار فى دورات أزمة العملة المختلفة منذ الثمانينيات وعبر التسعينيات وفى مطلع الألفينات وتعانى منه اليوم دون أن تنجح سياسات الحكومات المتعاقبة فى علاج مثل هذه المشكلة. ويتراجع الإيمان اليوم فى الحل التصديرى فى ضوء تباطؤ الاقتصاد العالمى، وخاصة فى الأسواق التقليدية للصادرات المصرية كدول الاتحاد الأوروبى، وعدم انعكاس التخفيض المتتالى لسعر صرف الجنيه على قدرة الصادرات المصرية التنافسية. حتى فى فترات نمو الصادرات السلعية المصرية فى عهد حكومة أحمد نظيف (٢٠٠٤ـ٢٠١١). وقد كانت تلك هى المعدلات الأعلى فى العقود الثلاثة الماضية خاصة للصادرات الصناعية غير البترولية، فإن نمو الصادرات أثبت اعتماديته على مدخلات مستوردة ما أدى إلى استمرار الفجوة لصالح الواردات. وهو وضع بالمناسبة ليس خاصا بمصر بل يشمل الكثير من البلدان النامية التى تعتمد فى إنتاجها للأسواق المحلية أو التصديرية على استيراد مدخلات من الخارج، ما يجعل استراتيجية تنمية الصادرات فى حد ذاتها، ودون أن تكون جزءا من استراتيجية تصنيعية أكبر وأشمل، بعيدة عن أن تكون حلا لمشكلات ميزان التجارة المزمنة.

يبدو أن الحل على المدى المتوسط إلى البعيد يكمن فى صياغة وتطبيق استراتيجية لتصنيع السلع الوسيطة محليا، وبالتالى الاعتماد على استيراد الخامات فحسب وتصنيعها محليا، والخامات بالطبع أقل تكلفة، ومن شأن نجاح مثل هذه الاستراتيجية فى السنوات العشر القادمة تنمية قطاع الصناعة، وخلق فرص عمل، وإتاحة فرص للنمو لدى القاعدة العريضة من المنشآت الصغيرة والمتوسطة التى يمكن أن تعمل فى مجال تغذية الصناعات النهائية، وفى الوقت نفسه تقلل من حجم الاعتماد على الواردات.

إن مثل هذه الاستراتيجية مرهونة بالكامل بالقدرة على وضع خطط بالاشتراك مع الأطراف الفاعلة فى القطاع الخاص، وبالقدرة على تنفيذها على مدى سنوات على نحو متسق ومتماسك. وبما أن القسم الأكبر من الناتج الصناعى والخدمى والزراعى فى مصر قد انتقل منذ نهاية التسعينيات إلى شركات القطاع الخاص، كبيرها وصغيرها، فإن فرص إنجاح مثل هذه الاستراتيجية ستعتمد على إيجاد قنوات مؤسسسية تجمع بين ممثلى الدولة والقطاع الخاص، وعلى أسس قطاعية بما قد يخدم التنسيق بين هذه الجهات المختلفة حتى يمكن التوصل لإنتاج سلع وسيطة تستخدم كمدخلات إنتاج بتكلفة اقتصادية تبرر التخلى عن تلك المستوردة، إذ إن القضية هنا ستكون خلق ميزة تنافسية لمصنعين مصريين فى قطاعات مغذية بعينها، وهو أمر يقتضى تدخلا مبدئيا من الدولة من خلال إجراءات تحفيزية فى مجالات الوصول للتكنولوجيا وللمعلومات وللتمويل، وإجراءات ربما حمائية فى إطار التزامات مصر الدولية فى مجال تحرير التجارة. ولكن يظل معيار نجاحها فى نهاية المطاف هو توفير مدخلات إنتاج من السلع الوسيطة بالجودة والتكلفة التى لا تقلل من فرص الصناعات النهائية.

يمكن لهذا أن يتحقق من خلال إيجاد أطر تنسيق رسمية تجمع بين ممثلى الصناعات التى تعتمد على المدخلات المستوردة فى الوقت الحالى وبين ممثلى الهيئات الحكومية ذات الاختصاص، ومن المفترض أن تمثل هذه الأطر قنوات دائمة لجمع المعلومات وتطوير السياسات ومتابعة تطبيقها ومن ثم تطويرها، ويمكن لدعم الدولة لجهود الصناعات المغذية أن يحدث من خلال تقديم الدعم المباشر لمنتجين النهائيين حتى يضطلعوا بإنشاء خطوط تغذية داخل منشآتهم أو من خلال تكوين شبكات لصيقة بين المنشآت الصغيرة والمتوسطة وبين المصنعين النهائيين، وهذه كلها تفاصيل تخضع للديناميات الخاصة بكل قطاع وللتفاوض بين القطاع الخاص بمكوناته المختلفة وبين الأجهزة الحكومية.

إن استراتيجية كهذه ينبغى أن تكون شاملة لجوانب التمويل وإتاحة التكنولوجيا وبناء المهارات أى ببساطة صياغة وتطبيق استراتيجية تصنيع، ولا يمكن لهذا أن يتحقق دون دراسة الأدوات المتاحة للدولة، والتى تشتمل على شق سياسات كإجراءات الدعم والتحفيز والاستثمارات العامة فى مجالات التدريب المهنى والتعليم الصناعى، وفى شق الترتيبات المؤسسية للشراكة بين الدولة والمنتجين فى وقت لم تعد فيه الدولة تضطلع بالقسم الأكبر من الإنتاج والتوزيع المباشرين للسلع والخدمات. ولعله يكون من المناسب النظر إلى حالات نجح فيها «تعميق الصناعة» من خلال إيجاد شبكات من الصناعات المغذية المرتبطة بصناعات نهائية كما هو الحال فى تايوان أو فى كوريا الجنوبية أو فى الصين، وكلها من الحالات الفذة فى مجال التطوير الصناعى.

تم نشر هذا المقال في جريدة الشروق.