يذكر العنوان أعلاه بالإستراتيجيات التنموية القديمة التي سبق وأن تبنتها مصر ـ مع العديد من بلدان العالم النامي ـ في الخمسينات والستينات، والتي قامت على التصنيع الموجه للسوق المحلي في حضور حماية جمركية وغير جمركية مرتفعة للصناعات المحلية، والذي كان هدفه كما يشي اسمه هو إحلال محل ما يتم استيراده من سلع صناعية من الخارج، وقد ميزت هذه الإستراتيجية محاولات التصنيع في العالم الثالث طيلة عقود منذ الحرب العالمية الأولى وربما حتى الثمانينات، ويسود الاعتقاد اليوم أن التصنيع الموجه محليا قد أثبت قصوره من زوايا عدة لعل أهمها هو أن الحماية المرتفعة والمستمرة للمنتجات المحلية تؤدي إلى ضعف أو تدهور الجودة والكفاءة، وبالتالي غياب القدرة على المنافسة في أي سياق اقتصادي حر، علاوة على إجبار المستهلك على شراء سلع منخفضة الجودة تحت زعم أنها محلية، ولعل أشد مواطن الضعف وضوحا في تلك الإستراتيجيات كانت هي عجزها عن توليد ما يكفي من العملة الصعبة اللازمة لاستيراد السلع الرأسمالية مثل الآلات والأجهزة والماكينات وغيرها من المنتجات عالية المحتوى التكنولوجي، والتي تظل غالبية البلدان النامية في حاجة لاستيرادها من الخارج لعدم قدرتها على إنتاجها محليا، وقد كان هذا هو "عقب أخيل" الذي أدى لانهيار معظم تجارب التصنيع الموجه لإحلال محل الواردات بحلول السبعينات والثمانينات سواء في مصر نفسها أو في البلدان التي قطعت شوطا أطول فيه مثل المكسيك والبرازيل والأرجنتين وتركيا والهند. 

عمرو عادلي
عادلي هو باحث غير مقيم في مركز كارنيغي للشرق الأوسط، حيث تتناول أبحاثه الاقتصاد السياسي، والدراسات التنموية، وعلم الاجتماع الاقتصادي للشرق الأوسط، مع تركيز على مصر.
More >

مع غلبة التصور النيوليبرالي على الاقتصاد العالمي وانخراط بلدان العالم النامي بشكل متزايد في الأسواق العالمية في إطار التزاماتها تبع منظمة التجارة العالمية أو تحت وقع مشروطية صندوق النقد والبنك الدوليين لم تعد إستراتيجيات التصنيع المحلي محبذة ولا ممكنة، وحل محلها من الوجهة الفعلية والنظرية إستراتيجية بديلة قائمة على تحفيز التصدير وجذب رؤوس الأموال الأجنبية في صورة استثمارات مباشرة، وهي الإستراتيجية التي تبنتها الدولة في مصر بشكل رسمي مع بدء التكيف الهيكلي في ١٩٩١، وبعد مرور ربع قرن على تبني هذه الإستراتيجية يمكن القطع وبالأرقام أنها لم تؤت أكلها لأن الاقتصاد المصري ـ كغيره من العديد من اقتصادات الدول النامية بالمناسبة ـ يجد صعوبات كبيرة في إنتاج سلع وخدمات مرتفعة القيمة المضافة يمكن المنافسة بها في إطار اقتصاد عالمي متزايد التحرير (على الأقل حتى الأزمة المالية في ٢٠٠٨ عندما بدأ الاقتصاد العالمي النيوليبرالي في التهدد بشكل مباشر). ويظل الأداء الاقتصادي المصري سواء في شق التوسع في الصادرات أو جذب رؤوس الأموال في الفترة بين ٢٠٠٥ و٢٠٠٨ هو الاستثناء الذي يثبت القاعدة في عشرين سنة طويلة لم يتجاوز متوسط الاستثمار الأجنبي المباشر ١٪ من الناتج المحلي الإجمالي فيها، ولم تشهد الصادرات تنويعا كبيرا بعيدا عن الاعتماد التقليدي والسقيم على الطاقة الرخيصة من صادرات بترولية وغاز طبيعي، لم تعد لا رخيصة ولا موجودة بوفرة بعد تحول مصر لمستورد صاف للطاقة في ٢٠١٢. 

ومع التباطؤ الاقتصادي في النمو الناتج عن الاضطراب السياسي بعد ٢٠١١ تحولت أوجه القصور الهيكلية هذه إلى قضايا ملحة وضاغطة على الاقتصاد المصري وعلى مالية الدولة، وخاصة فاتورة الواردات التي استمرت في تضخمها بينما تراجعت الصادرات السلعية والخدمية أو تجمدت محلها، ومع ثبوت أن مصادر النقد الأجنبي كتحويلات العاملين بالخارج لا تكفي رغم أهميتها وتزايدها لسد العجز ميزان المدفوعات، وأثبت مصدر خدمي هام كالسياحة أنه بالغ الحساسية والتأثر بالظروف الأمنية والسياسية المضطربة، وكانت النتيجة النهائية أن الواردات تضغط بشدة على الاحتياطي النقدي الأجنبي، وخلافا لما يتصوره كثيرون فإن القسم الأعظم من الواردات هو من مدخلات إنتاج وليس سلعا نهائية استهلاكية ـ سواء كانت ترفية أو سلع أساسية ـ بل إن القسم الأكبر هو من سلع وسيطة ورأسمالية وخامات لازمة لقطاعات حيوية كالصناعة التحويلية والزراعة والخدمات، وبما إنه لا مفر من استيراد الخامات، وهي في جميع الأحوال لا تمثل التكلفة الكبرى، فإن مساحة الحركة لعلاج الاختلالات يكون في السلع الوسيطة والرأسمالية، وخاصة في الأولى لأن السلع الرأسمالية ذات محتوى تكنولوجي مرتفع قد لا يكون من الممكن التخلي عنها، ولكن السلع الوسيطة وهي سلع نصف مصنعة يتم استيرادها بكثافة لدرجة أنها تمثل نحو ٤١٪ من إجمالي فاتورة الواردات طبقا لأرقام الجهاز المركزي في ٢٠١٤، وهذا إن نم عن شئ فإنما ينم عن تخلف هيكل التصنيع في مصر، والذي يظل عاجزا عن إنتاج مستلزمات ومدخلات إنتاج غير مرتفعة المحتوى التكنولوجي، ولعل هذه من المساحات القليلة التي يمكن ـ على الأقل نظريا ـ للدولة التحرك فيها بالتعاون مع القطاع الخاص في إطار إستراتيجية تجمع بين التصنيع (وبالتالي التشغيل) وبين تخفيض الاحتياج للاستيراد دون التسبب في ركود للاقتصاد. 

هل هذا يعني العودة لإستراتيجيات إحلال محل الواردات التي عفا عنها الزمن وعن عنها الذباب؟ الإجابة البسيطة هي لا، لأن المستهدف هنا ليس إنتاج سلع نهائية تحت وقع حماية جمركية أو غير جمركية ـ لم تعد ممكنة حقا في ظل التزامات مصر الدولية في مجال تحرير التجارة ـ إنما الغرض هو تعميق القطاع الصناعي في مصر بتمكين الصناعات القائمة من مد روابط خلفية تحصل من خلالها على مدخلات غير مستوردة خاصة تلك التي لا تتطلب محتوى تكنولوجيا مرتفعا وتقع في مجال الصناعات كثيفة العمالة، وسيكون لدى كبار المنتجين في مجالات الصناعة والزراعة والخدمات مصلحة في تجنيب أنفسهم الاعتماد على الاستيراد في ظل تذبذب سعر الصرف وإجراءات الحكومة للحد من الواردات، ولن يكون هذا في إطار حمائي أو احتكاري بل في إطار تجاري متحرر ولو جزئيا، فهل هذا ممكن؟ وللحديث بقية. 

تم نشر هذا المقال في جريدة الشروق.