لايبدو مقطع الفيديو (الوارد أدناه) مهمّاً للعين غير المتمرّسة، لكنه في لبنان كان له وقع كبير الأسبوع الفائت، لأن الصورة، كما يعلم اللبنانيون، غالباً ماتكون أصدق إنباءً من الكتب. ولذا، ساسة البلاد باتوا يستخدمون بشكلٍ مطّرد وسائل التواصل الاجتماعي لتوجيه رسائلهم السياسية الأكثر لذعاً.

 

 

 

بثّ سليمان فرنجية، وهو نائبٌ من شمال لبنان وأحد أبرز المرشّحين للرئاسة، هذا الفيديو على حسابه في "تويتر"، وهو يظهر سيارة كهربائية صغيرة يتحكّم بها عن بعد ربما فرنجية نفسه (المعروف بأنه يهوى هذه الألعاب) أو شخص آخر، فتسير على غير هدى تارةً، وترتطم بجدران الغرفة طوراً، وتحاول عبثاً تسلّق الجدران، فتنقلب على ظهرها خائبةً ثم تدور حول نفسها لثوانٍ طويلة. وهكذا لايشي مسارها بشيءٍ سوى العبثية.

قد يخال المرء لوهلة أن هذا "الزعيم" الشاب من بلدة زغرتا (وهو حفيدٌ لرئيس جمهورية سابق)، صوّر هذا الفيديو في لحظة ضجر. لكن نظرةً عن كثب تلفت إلى أن عجلات السيارة الأربع برتقالية اللون، أي اللون نفسه الذي يعتمده التيار الوطني الحر التابع لميشال عون، منافس فرنجية في النزال الرئاسي. وهذا كفيلٌ ربما بشرح رمزية الفيديو.

كلا الرجلين مرشّحان اليوم لخوض غمار انتخابات رئاسية طال انتظارها، وأرجئت مراراً وتكراراً بسبب عدم تأمين النصاب القانوني لالتئام البرلمان المولَج مهمة انتخاب رئيس الجمهورية. لذلك، بقي لبنان من دون رئيس منذ انقضاء ولاية ميشال سليمان في أيار/مايو 2014. ومع أنه يُفترض أن فرنجية وعون حليفان ينضويان تحت لواء تحالف 8 آذار المقرّب من سورية والذي يقوده حزب الله، إلا أن كلّاً منهما يعتبر أنه يتمتع بالسمات اللازمة لـ"الزعيم الماروني القوي" القادر على إعادة ترتيب موازين القوى الطائفية اللبنانية، في لعبة باتت قصراً تقريباً على الاستقطاب بين السنّة والشيعة.

يتنافس الطرفان للحصول على دعم الأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله، صانع الملوك الذي له الكلمة الفصل في هذه المنافسة، فضلاً عن دعم الرئيس السوري بشار الأسد. كما يَعتبر كل منهما أن المستقبل ملكه (حتى لو كان عون فائق الطموح قد تجاوز الثمانين): ففرنجية يتسلّح بعلاقة الصداقة الوطيدة التي تربطه بالأسد، الذي يبدو أنه يحرز تقدماً عسكرياً في سورية؛ وعون يتمنطق بقاعدة شعبية كبيرة في المجتمع المسيحي الذي تدبّر أمر ضمّه إلى ما يسمى محور المقاومة في لبنان والمنطقة.

مع ذلك، اللعبة في لبنان ليست انتخابية وحسب. وهنا يُطل فيديو فرنجية برأسه. فهو في آنٍ مُسلٍّ وفظّ في سخريته من الزعيم الماروني الطاعن في السنّ، الذي ربما يخوض غمار آخر معاركه السياسية الكبرى. كان عون شنّ، في الآونة الأخيرة، حملة غزل في مسعى لبناء جسور مع كل القوى السياسية في البرلمان، بعدما كان قد أحرقها مع معظم السياسيين. وهو يعمل جاهداً في الوقت الراهن على اجتذاب الزعيم السنّي سعد الحريري، الذي تُعتبر أصوات كتلته ضرورية لضمان انتخابه رئيساً. لكن حتى الأسبوع الفائت، لم تكن جهود عون قد أتت أُكلها. وكان حزب الله قد عمل على إطالة أمد الفراغ الرئاسي، كوسيلة للسيطرة على النظام بشكل أفضل وفرض أجندته الخاصة حينما تُثمر الحملة العسكرية في سورية.

في هذا السياق، ربما أفصح فيديو السيارة ذات العجلات البرتقالية عن بيان الوضع بأكمله: عون يلجأ إلى الوسائل كافة لكسب الأصوات التي يحتاجها للفوز، لكن، النتيجة المحتملة هي ببساطة المراوحة في المكان.

مع ذلك، يبدو أن استعارة السيارة التي استعان بها فرنجية، حملت في طياتها هذا الأسبوع معانٍ جديدة، وسط أنباء أن الحريري قد اتخذ قراراً بدعم عون. بالنسبة إلى العونيين، الذين يؤمنون بأن الشخصية المفضلة لديهم قد تقبع قريباً على كرسي الرئاسة، يمكن أن يُقلَب سحر هذا الفيديو على الساحر، بهدف دفع فرنجية إلى الغرق في لُجج الغضب. أو بدلاً من ذلك، إذا واصل حزب الله وحلفاؤه عرقلة الانتخابات، قد يُظهر الفيديو أن فرنجية كان على علم مُسبق بما كان يُطبخ. وهذا يعني أن الرسالة الأهم التي يسعى إلى إيصالها قد تكون أكثر خبثاً: بدلاً من هدر الوقت والطاقة في مهمة مستحيلة، لا بدّ من أن ينصح أحدهم عون بأن يتذكّر أن شخصاً آخر يتحكّم، في نهاية المطاف، بهذه السيارة ذات العجلات البرتقالية.