كان تعويم الجنيه أخيرا ترجمة رسمية لانهيار العملة الوطنية طيلة شهور فى مواجهة الدولار، ويمكن اعتبار تدهور قيمة الجنيه سواء رسميا أو فى السوق السوداء بمثابة العرض لمرض متمثل فى الاختلالات الكبيرة فى تعاملات الاقتصاد المصرى مع العالم الخارجى، وهى اختلالات موجودة منذ عقود طويلة، وتتعلق بالاقتصاد الحقيقى أكثر منها بالسياسات النقدية، وترتبط بالقطاعات الإنتاجية أى ما ينتجه الاقتصاد المصرى ويتبادله مع الخارج وما لا ينتجه ويستهلكه بالاستيراد. 

والخلاصة فإنه بعيدا عن لغة الاقتصاد المنفرة والطاردة للنقاش العام فالمجتمع المصرى يستهلك أكثر مما ينتج، ويستورد أكثر مما يصدر، ويعتمد لتمويل فاتورة الواردات الطويلة على قطاعات مولدة للعملة يعانى غالبها من الجمود كريع قناة السويس أو من الاضطراب الشديد والهشاشة كعائدات السياحة. وهو ما يجعل الاقتصاد المصرى عرضة وبصورة دورية لأزمات توافر العملة الأجنبية، والتى عادة ما تترجم إلى انخفاض فى قيمة العملة الوطنية وارتفاع فى معدلات التضخم وبالتالى تهديد مستويات المعيشة للغالبية من المواطنين. 

عمرو عادلي
عادلي هو باحث غير مقيم في مركز كارنيغي للشرق الأوسط، حيث تتناول أبحاثه الاقتصاد السياسي، والدراسات التنموية، وعلم الاجتماع الاقتصادي للشرق الأوسط، مع تركيز على مصر.
More >

يقع الحل المرحلى اليوم والذى اختارته الحكومة فى تعويم الجنيه والإقبال على الالتزام بشروط صندوق النقد الدولى من أجل تخفيض الواردات تخفيضا كبيرا فى الفترة القصيرة القادمة بما يمكن من إعادة بناء الاحتياطيات الدولارية لدى المركزى، وتحقيق قدر من الاستقرار فى مؤشرات الاقتصاد الكلى بما يتيح فرصة معاودة النمو. وهو أمر مرهون بالطبع بتغير عوامل أخرى داخلية غير اقتصادية كالأمن والمخاطر السياسية، وأخرى خارجية كتعافى التجارة الدولية ومستقبل أسعار النفط وهلم جرا، ولكن مما لا شك فيه أن تخفيض الواردات وإن كان سيحقق الاستقرار الكلى للاقتصاد فإنه سيكون بتكلفة اقتصادية واجتماعية مرتفعة على المدى القصير وربما المتوسط متمثلة فى ارتفاع معدلات التضخم وتعميق الركود الاقتصادى لارتفاع تكلفة مدخلات الإنتاج المستوردة. وهو ما يقودنا إلى لب الإشكال الهيكلى فى مصر. 

إذا ما نظرنا إلى هيكل الواردات فى العقود الماضية سنجد أنه يتكون فى أغلبه (نحو٧٠٪) من مدخلات إنتاج أى سلع تستخدم فى إنتاج سلع نهائية، وهذه المدخلات إما خامات غير متوفرة محليا، وهذه لابد من استيرادها لأنها مرتبطة بالموارد الطبيعية، وإما سلع رأسمالية كالأجهزة والمعدات، وهذه عادة ما تكون ذات محتوى تكنولوجى لا يملكه اقتصاد متخلف علميا وفنيا كاقتصادنا، وبالتالى لا محيد من استيرادها. ولكن نحو ٤٠٪ من إجمالى الواردات هى سلع نصف مصنعة، وهذه كثيرا ما يمكن إنتاجها كصناعات مغذية لإنتاج سلع نهائية، وهو ما لم يحدث لأن مصر لم تطور أو تطبق سياسات تصنيعية حقيقية طيلة العقود الأربعة الماضية. وطالما حكمت سياسات التجارة والاستثمار اعتبارات قصيرة الأمد كنقص العملة أو اختلالات ميزان المدفوعات، تماما كما هو الحال اليوم. 

وبما أن هذا المقال القصير لا يهدف إلى تقييم سياسات الماضى فإنه يصب تركيزه على ما يمكن فعله فى ظل الأجواء الحالية بما يعظم الاستفادة من الفرص، ويقلل أوجه الضعف الهيكلى وبالتالى احتمالات تعرض مصر لنفس الاختلالات الدورية التى عادة ما يكون نقص الدولار محورها، ويمكن القول إن المساحة الأساسية للتحرك الآن هى تطوير سياسة تصنيعية يكون هدفها الرئيسى تعميق الصناعة فى مصر عن طريق تشجيع صناعات مغذية تنتج السلع الوسيطة، وهو أمر ممكن حتما فى المدى المنظور فى ضوء توفير ارتفاع الدولار حماية فعلية وإن كانت مؤقتة فى مواجهة السلع المستوردة، كما أن الصناعات الكبيرة ستحتاج إلى تطوير خطوط تغذية خلفية للمدخلات مع تعذر الاستيراد، وهو ما يخلق مساحة يمكن استغلالها للتنسيق بين الدولة وبين الشركات الكبرى، والتى عادة ما تكون محدودة العدد وبالتالى من السهل تنسيق عمليات التعميق معها. ويمكن اعتبار هذه استراتيجية أولى تعتمد على التوسع الرأسى داخل المنشآت الصناعية الكبيرة. 

ولكن هناك مساحة أخرى للتوسع تقوم على مد شبكات تجارية بين المنشآت الكبيرة القائمة على إنتاج السلع النهائية وبين المنشآت الأصغر التى من الممكن أن توفر لها مدخلات الإنتاج بتكلفة منخفضة نسبيا، وهذه استراتيجية أخرى يمكن للحكومة أن تضطلع بها وتعتمد على ربط وتشبيك المنشآت والشركات الكبرى بقاعدة أوسع من المنشآت الصغيرة ومتوسطة الحجم. ولا يكون هذا بالطبع دون دور حكومى مباشر ومكثف فى زيادة قدرة هذه المنشآت على الإنتاج من خلال تسهيل وصولها لعناصر الإنتاج خاصة التمويل ورأس المال الثابت كالأرض بالإضافة لبعض القدرات المؤسسية والإدارية كمراقبة جودة المنتجات. ويكون هذا بإدماج التغييرات الإيجابية الأخيرة التى استهدفت مد فرص التمويل المصرفى للمنشآت الصغيرة والمتوسطة فى إستراتيجية تصنيعية تجارية واحدة يكون محورها تنمية تنافسية الصناعات الوسيطة لا من خلال الحماية الدائمة لأن هذا غير محبذ وغير ممكن على المدى المتوسط والبعيد. ولكن فى إطار تمكين القاعدة الأكبر من القطاع الخاص من النمو ومن المنافسة فى إطار إستراتيجية تهدف لخلق فرص عمل من ناحية، ورفع معدلات النمو من ناحية ثانية، وتخفيض المصادر الهيكلية للاختلالات النقدية والمالية والتجارية من ناحية ثالثة.

لقد حاولت الدولة فعل هذا فى المرحلة السابقة على ثورة يناير من خلال أطر مؤسسية كمركز تحديث الصناعة، والتى قامت على إنشاء قاعدة من عشرين ألف من المنشآت الصغيرة والمتوسطة بجانب الكبيرة بغية تقديم خدمات فنية وإدارية ترفع من كفاءة المنشآت. وفى الوقت ذاته توفر المعلومات الممكنة لإنشاء وصلات للتبادل بين الشركات الكبيرة وتلك الصغيرة والمتوسطة، ولم يكتب لهذه الاستراتيجية الكثير من النجاح لأنها لم تراع القيود العديدة التى تواجه المنشآت الصغيرة والمتوسطة خاصة فى مجالى التمويل والنفاذ للأرض ولكن كذلك للعمالة المدربة والكفاءة الإدارية، وهى مسائل يمكن تداركها اليوم بالاعتماد على خبرات مؤسسية قائمة بدلا من البدء من الصفر.

تم نشر هذا المقال في الشروق.