على الرغم من الأوضاع الكارثية في اليمن، يتواصل تدفّق المهاجرين الأفارقة إلى البلاد هرباً من العنف أو المشقات الاقتصادية في أوطانهم. فالأرقام إلى ازدياد منذ اندلاع الحرب في العام 2015، وهي أعلى مما كانت عليه خلال السنوات التي سبقت الحرب. يتحدّر معظم المهاجرين من القرن الأفريقي، وخلال العام 2018 وحده، ارتفعت أعدادهم إلى 150,000 بعدما بلغت 100,000 في العام 2017.

تستغلّ شبكات المهرّبين غياب الإجراءات الأمنية عند الحدود البحرية في اليمن لنقل أعداد متزايدة من المهاجرين غير الشرعيين. لقد أصبح المهرّبون أكثر تنظّماً في الجانبَين الأفريقي واليمني على السواء، ويصل عشرات المهاجرين إلى اليمن بصورة يومية. تستغرق الرحلة نحو ثماني عشرة إلى 24 ساعة بحسب الأحوال الجوية وحالة المراكب. ونظراً إلى المنافسة بين المهرّبين، تنخفض الرسوم كثيراً. إذ يُكلّف نقل الأشخاص من اليمن إلى أفريقيا من 170 إلى 200 دولار أميركي، وبإمكان المهاجرين أن يدفعوا لدى وصولهم. إلا أنه لايُسمَح لهم بالذهاب في سبيلهم إلا بعد تسديد كامل المبلغ المتوجّب عليهم، وإلا قد يُسجَنون في مراكز الاعتقال التي يتولى المهرِّبون إدارتها.

قد يكون تدنّي الأسعار سبباً أساسياً خلف اختيار المهاجرين الذهاب إلى اليمن، فالهجرة إلى أوروبا تُكلّف مبالغ مالية أكبر بكثير. تبدأ رحلة معظم المهاجرين في مدينة بوصاصو المرفئية في الصومال وتقودهم إلى المناطق الساحلية في اليمن، ولاسيما محافظات حضرموت وأبين وشبوة، ومعظمها مناطق قبلية. قبل النزاع، كان هناك طريق آخر، نحو المخا اليمنية. لكن عندما امتدّ النزاع اليمني إلى المناطق الساحلية الغربية، اضطُرَّ المهرِّبون إلى تغيير المسارات التي تسلكها سفنهم، لأن المناطق الساحلية الغربية وقعت تحت سيطرة مجموعات مسلّحة متحالفة مع الائتلاف الذي تقوده السعودية. وقد سعت هذه المجموعات إلى مكافحة الهجرة غير الشرعية ومنع المهاجرين من الاقتراب من الحدود مع السعودية.

على الرغم من أن عبور المناطق القبلية التي يقطنها عدد قليل من السكان محفوف بالصعوبات، نظراً إلى أن الجزء الأكبر من هذا المسار يمرّ عبر الصحراء، إلا أن المهاجرين يُفيدون من هذا الطريق في جوانب غير متوقّعة. فلدى القبائل في حضرموت وأبين وشبوة تقاليد تفرض عليها تقديم الطعام والمأوى للأشخاص الذين يمرّون عبر مناطقها. علاوةً على ذلك، الطريق عبر هذه المحافظات أكثر أماناً نسبياً من الطريق الذي يمر في المناطق الواقعة نحو الشمال حيث تدور معارك.

لدى الوصول إلى اليمن، لايُكمِل معظم المهاجرين فوراً نحو وجهتهم النهائية. بل غالباً مايمضون بعض الوقت في البلاد للاطلاع أكثر على طرق التهريب. في الوقت نفسه، يبدأون بالعمل لكسب مزيد من المال كي يتمكّنوا من تسديد المبالغ المتوجّبة عليهم لمتابعة طريقهم براً، نحو بلدان مثل السعودية أو سلطنة عمان. وفقاً لمنظمة الهجرة الدولية، كانت لدى 99.9 في المئة من المهاجرين الذين تم رصدهم في اليمن في العام 2017 نيةٌ بالذهاب إلى السعودية. على الرغم من أنه يصعب إيجاد وظيفة في اليمن، إلا أن عدداً كبيراً من المهاجرين يعمل مقابل أجور متدنّية جداً في الزراعة أو البناء، حيث يكسبون نحو 5 دولارات في اليوم.

عبور الحدود اليمنية-السعودية هو الجزء الأصعب الذي يواجهه المهاجرون في رحلتهم. فالشريط الحدودي الممتد على مسافة 1400 كيلومتر أصبح عسكري الطابع منذ اندلاع الحرب اليمنية في العام 2015، وقد عمدت السعودية إلى تعزيز الأمن الحدودي عبر إرسال آلاف الجنود إلى المنطقة. كما أن السلطات السعودية تعمل مع المجتمعات الحدودية لمنع المهاجرين من دخول المملكة. لكن على الرغم من هذه الإجراءات الأمنية، لايزال المهرِّبون يجدون طرقاً للالتفاف على القيود.

لقد تراجعت أعداد المهاجرين الصوماليين خلال الأعوام الأربعة الماضية، نظراً إلى أن وجهتهم الأساسية تبقى أوروبا. لدى عدد كبير منهم أقرباء نجحوا بالوصول إلى القارة الأوروبية، ولذلك يُفضّلون سلوك طرقات عبر المتوسط. على النقيض من ذلك، ازداد عدد المهاجرين الأثيوبيين غير الشرعيين إلى اليمن، وهم يمثّلون أكثرية من المهاجرين اليوم. وفقاً لمنظمة الهجرة الدولية، 92 في المئة من المهاجرين الأفارقة إلى اليمن هم أثيوبيون، ويأتي بعدهم الصوماليون.

اضطُرّ الأثيوبيون، بسبب الظروف، إلى الاعتماد أكثر على المهرِّبين للوصول إلى اليمن. السبب هو أن السعودية توقفت رسمياً، في العام 2013، عن قبول اليد العاملة الأثيوبية على أراضيها في أعقاب صدامات بين قوات الأمن السعودية وعمّال أثيوبيين في جدة والرياض. بإمكان الأثيوبيين العثور بسهولة على وظائف في مجال العمالة المنزلية في المملكة، نظراً إلى النقص الحاد الذي سُجِّل منذ تلك الصدامات. كما أن إنفاق السعوديين نحو 13.7 مليار دولار على العمال المنزليين في السنة، وفقاً للإحصاءات السعودية الرسمية، يشجّع المهاجرين على القدوم إلى المملكة.

فيما ينتظر المهاجرون توافُر الظروف المؤاتية للعبور إلى السعودية، ينتهي الأمر بعدد كبير منهم بالاعتماد على المساعدات الإنسانية التي تؤمّنها منظمات دولية غير حكومية في مخيمات اللاجئين في اليمن. تفتقر هذه المخيمات إلى الخدمات الأساسية الضرورية لاستقبال أعداد كبيرة من الأشخاص، ويواجه عمّال الإغاثة الإنسانية صعوبات في تأمين الإمدادات الغذائية لهم.

كذلك تُنتهَك حقوق المهاجرين غير الشرعيين بوتيرة متكررة من قبل الأفرقاء على الأرض. ففي نيسان/أبريل 2018، تعرّض عشرات المهاجرين إلى التعذيب والاغتصاب على أيدي مسؤولين حكوميين بعد وضعهم في معسكرات اعتقال في عدن. وفي أماكن أخرى، أرغمت مجموعات مسلّحة المهاجرين على تسديد مبالغ نقدية للمرور عبر نقاط التفتيش التابعة لها. وقد دفعت هذه الممارسات التعسّفية بعدد كبير من المهاجرين إلى كسب المال عبر القتال بصفة مرتزقة في النزاع اليمني. فعلى سبيل المثال، أعلن الحوثيون، في الأعوام الأخيرة، عن مقتل العديد من المقاتلين الأفارقة الذين حاربوا معهم في المنطقة الحدودية اليمنية-السعودية. وفقاً لمصادر محلية، اختفى بعض المهاجرين في المناطق الجبلية في شبوة وأبين والبيضاء، ويُعتقَد أنهم جُنِّدوا من قبل تنظيم القاعدة في جزيرة العرب.

على الرغم من المشّقات والانتهاكات التي يواجهها المهاجرون غير الشرعيين، إلا أنهم يواصلون التوجّه إلى اليمن بحثاً عن حياة أفضل يمكن أن تساهم في انتشالهم من الفقر والحرمان. إنها حالةٌ مؤسفة لأشخاص يستجيرون من الرّمضاء بالنار، لكن مختلف المؤشرات تُظهر أن هذه الهجرة ستستمر، مهما كان الثمن.

تم إصدار هذه الدراسة بدعمٍ من برنامج X-Border Local Research Network (شبكة البحث المحلية حول القضايا العابرة للحدود الوطنية) الذي يحظى بتمويل من مشروع UK Aid التابع للحكومة البريطانية. إن الآراء الواردة في هذه الدراسة لا تعبّر بالضرورة عن السياسات الرسمية للحكومة البريطانية.