لم يُكتب النجاح للجماعات الجهادية في منطقة الساحل في أي من حركات التمرّد التي انخرطت فيها، ومع ذلك تبقى هذه الأكثر تكيّفًا ومرونة من بين كل الجماعات المتمردة. فقد أظهرت كل من حركة أنصار الدين وتنظيم المرابطون وفرع القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي في الصحراء الكبرى قدرة استثنائية على البقاء، متحديّةً التوقعات بأن الهزيمة العسكرية التي مُنيت بها على يد فرنسا في العام 2013 شمال مالي، ستكون ضربة قاضية. لكن، ما تفسير صمود الجماعات السلفية الجهادية وتمدّدها في منطقة الساحل؟

منذ انتقال الجماعات الإرهابية الجزائرية إلى شمال مالي خلال العقد الأول من القرن، أصبح قادة المتمردين في منطقة الساحل أكثر ميلًا نحو اعتماد الجهاد السلفي كوسيلة للبقاء والتجنيد، وأيضاً للتفوّق في منافسة جهات فاعلة مسلحة أخرى. وفي سياقات مواجهة الجماعات المتقاتلة والانقسامات الإثنية أو الدينية والدول المختلّة، يتمثّل التحدّي الرئيس لحشد المتمردين في مشكلة العمل الجماعي، إذ يميل الأفراد عادةً إلى تفادي الصراعات، نظرًا إلى ما يترتب عن المشاركة فيها من أكلاف باهظة. وتحاول الجماعات المتمرّدة التخفيف من هذه المشكلة من خلال توفير مزايا مادية (الحماية والمال والخدمات الاجتماعية) مقابل إما أن يصبح الفرد نصيراً لها أو مقاتلًا في صفوفها. كما يتمتّع المتطرفون بميزة استخدام الإيديولوجيا المشوبة بالأفكار الدينية لحفز وتنسيق المجندين والإبقاء عليهم في تنظيمها.

يساعد التطرّف العنيف في استقطاب أكثر المجندين تفانياً بأقل تكلفة. وهذا أمر مهم في إطار المنافسة الشرسة بين المتمردين، حيث أن تغيير الولاءات وإعادة الاصطفاف ضمن التحالفات هو القاعدة أكثر منه الاستثناء. وفي مثل البيئات المفككة، بإمكان الجماعات المتطرفة أيضًا أن تصبح جذابة بالنسبة إلى المعتدلين، إذ تظهر على أنها الوحيدة القادرة على الوفاء بالتزاماتها حول إعادة رسم معالم العلاقات بين الدولة والمجتمع. ويكتسي هذا الأمر أهمية بخاصةٍ في المراحل الأولى من الصراع، حيث يميل المجندون إلى الانضمام إلى جماعات تتمتع بفرص الفوز والسمعة المهيبة في إنفاذ القانون والنظام.

وبالتالي، ليس من قبيل الصدفة أن تكون المواضيع الأساسية في خطاب الجماعات الجهادية هي الأخلاق والشرف والعدالة – وهي قيم يتوق إليها الأفراد والمجتمعات الخاضعين إلى نير القمع والاستغلال والتمييز. على سبيل المثال، وفي سياق تحليل كنز من المستندات التي كشفت الجماعة المسماة الدولة الإسلامية النقاب عنها، تحدثت مراسلة نيويورك تايمز روكميني كاليماشي عن كيفية لجوء التنظيم إلى نهج بدائي ولكن فعّال لإقامة العدل من أجل كسب رضا الشعوب التي سيطر عليها، بمن فيهم أولئك الذين استغّلهم. كما ميّز تنظيم الدولة الإسلامية نفسه من خلال إظهار استعداده لمحاسبة مقاتليه. وكان هذا الطابع الثوري نفسه – المدعوم بلغة دعوية وثورية – هو الذي بنى مصداقية وسمعة الجهاديين باعتبارهم منفذي النظام وحماة الأمن.

سرعان ما أدركت الجماعات الجهادية المسلحة في منطقة الساحل أن النقاء الإيديولوجي والحماسة الدينية يمكن أن يكونا بمثابة استراتيجية تكوين علامة تعريف مفيدة لتمييز نفسها عن الجماعات المنافسة. وتشكّل حالة إياد أغ غالي، مؤسس أنصار الدين وأحد أبرز العناصر الماكيافلية في جماعة الطوارق المتمردة شمال مالي، خير مثال على ذلك. فاستنادًا إلى مراقبين عدة، ساهمت الأحداث المتسارعة التي أدّت إلى الانتفاضة التي أطلقتها في كانون الثاني/يناير 2012 الحركة الشعبية لتحرير أزواد ضد حكومة مالي، في تبنّي أغ غالي إيديولوجيا متطرفة. فقد أراد هذا الأخير أن يكون أمين سر الحركة لكن مساعيه رُفضت في تشرين الثاني/نوفمبر 2011، ما أدّى إلى تهميشه خلال المراحل التحضيرية المهمة للتمرّد. ويبقى السؤال عما إذا كان مسار أغ غالي الراديكالي سيبقى هو نفسه لو سُمح له بقيادة هذا التمرّد ضد حكومة مالي معلّقاً في الهواء.

لكن، بغض النظر عمّا قد يفكر فيه المرء حيال عودة أغ غالي في العام 2012 كمحرّض يعتزم فرض شكل متطرف من القانون الإسلامي، إلا أن اعتماد موقف جهادي راديكالي سمح له بتمييز نفسه عن الحركة الشعبية لتحرير أزواد، مستفيدًا في الوقت نفسه من الدعم المادي الكبير الذي وفّرته المنظمات المتطرفة العنيفة العاملة في شمال مالي. وكانت النتيجة أنه بعد أشهر قليلة على بدء الصراع في شمال مالي مطلع 2012، برز أغ غالي ذو الشخصية الساحرة كالقائد الأهم لجماعة الطوارق المتمرّدة. غير أن عددًا كبيرًا ممن انضموا إليه لم يشاركوه الإيديولوجيا الراديكالية التي وضعها لمنظمته. وفي هذا السياق، أقرّ الغباس آغ أنت الله، نجل الزعيم الوراثي لقبيلة إيفوغاس، الذي انضم في بادئ الأمر إلى الحركة الشعبية لتحرير أزواد، أن عودته إلى أنصار الدين استندت إلى قوة الجماعة وتنظيمها الأفضل. وتردد أن أغ أنت الله سخر من تحوّل أغ غالي إلى جهادي راديكالي.

من جهتها، كانت علاقة حركة التوحيد والجهاد في غرب أفريقيا، وهي جماعة جهادية نشطت في جنوب الجزائر وشمال مالي بين العاميْن 2011 و2013، أكثر غموضاً مع الدين. فقسم لا يستهان به من أفرادها كانوا من تجار المخدرات المعروفين بعدم تدينهم الراديكالي. وتمثّل هدفهم الأساسي في تأمين حصتهم في المنافسة الشرسة للحصول على إيرادات التهريب والسيطرة على طرق التهريب، "من دون أي اعتبار للعقائد الدينية المتشدّدة التي تتبناها المنظمة التي يقودونها"، حسبما ذكر الكاتب الفرنسي المتخصص في شؤون أفريقيا ماثيو بيليرن.

وفي بيئة تتسم بالخوف الشديد وعدم اليقين والمنافسة في أوساط الفصائل المتمردة، أدرك قادة حركة التوحيد والجهاد في غرب أفريقيا أن اعتناق إيديولوجيا راديكالية قد يسفر بسرعة عن ميزة مبكّرة أساسية، تتمثّل باستقطاب المقاتلين الأكثر تفانيًا. كان ذلك ضروريًا من أجل بناء قوة رابحة يمكنها مع مرور الوقت اجتذاب دعم شريحة سكانية كانت غالبًا ذات نزعة دينية معتدلة. ثمّ أن جناحاً غير إيديولوجي وحّد صفوفه مع آخر ديني متشدّد ضمن حركة التوحيد والجهاد في غرب أفريقيا، ما يعيد إلى الذاكرة ما حصل في العراق مع الدولة الإسلامية، حيث انضم المتعصبون دينيًا إلى العرب السنّة المظلومين، بمن فيهم ضباط من جيش صدام حسين العلماني.

والحال أن أهمية الإيديولوجيا الراديكالية في منطقة الساحل تنبع من قيمتها العملية والتزاماتها المعيارية. وبالنسبة إلى قادة المتمردين، تساعد الإيديولوجيا الراديكالية جماعاتهم في مساعي التجنيد وتميّزها عن باقي الجماعات. أما المجتمعات المظلومة، فلها حوافز خاصة للانضمام إلى تحالف فائز. فالراديكالية الدينية المفترضة للشباب ليست هي ما يحدد خيارات الاصطفاف، بل المكاسب الاستراتيجية التي يتطلّع إلى ضمانها القادة وأتباعهم. وهذه المكاسب هي التي تحدّد الجماعات المسلحة التي يختار الأفراد أو المجتمعات المحلية الانضمام إليها أو دعمها.

تم إصدار هذه الدراسة بدعمٍ من برنامج X-Border Local Research Network (شبكة البحث المحلية حول القضايا العابرة للحدود الوطنية) الذي يحظى بتمويل من مشروع UK Aid التابع للحكومة البريطانية. إن الآراء الواردة في هذه الدراسة لا تعبّر بالضرورة عن السياسات الرسمية للحكومة البريطانية.