باتت المبادرات الأمنية المرتجلة لمواجهة تهديدات محددة عابرة للحدود الوطنية تصبح سمات رئيسة في المشهد الأمني الأفريقي. وهي، من وجهة نظر عرّابي هذه الجهود، ضرورية لرسم أنماط التفاعل والتعاون العسكري بين الدول المتأثرة بهذه التهديدات.

وثمة مدركات مشابهة أخرى للتهديدات لدى الدول المشاركة في هذه المبادرات تساعد في تعزيز اللحمة في صفوفها، مهما كانت المشاكل القائمة بينها. القوة المشتركة لمجموعة دول الساحل الخمس خير دليل على ذلك. فقد أطلقت خمس دول من منطقة الساحل—وهي بوركينا فاسو ومالي وموريتانيا والنيجر وتشاد—هذه القوة رسمياً في العام 2017، مدفوعةً برغبة حقيقية في التصدي لتهديدات الجماعات الإرهابية التي قد تتمدّد انطلاقاً من معاقلها في شمال مالي. وتتيح مثل هذه التحالفات انتهاج مقاربات خاصة بقضايا محددة، ما يسفر عن بروز استراتيجيات انخراط محددة الأهداف والنطاق الجغرافي. كما تفيد هذه التحالفات أيضاً من حيث مزاياها المؤسسية والعملياتية المتفوقة الآليات الأمنية الرسمية الإقليمية أو القارية التي قد تكون كبيرة وغير عملية. وبالفعل، يكمن جزء من جاذبية هذه المبادرات في مدى مرونتها وقابلية تكيّفها.

بعد سنوات من انعدام الثقة المتواصل بين رؤساء دول منطقة الساحل، بدأت فكرة تأسيس تحالف إقليمي تتبلور في تشرين الثاني/نوفمبر من العام 2013، عندما نفذّت جيوش نيجيريا ومالي وفرنسا عملية روسيت (Roussette) على الحدود بين مالي والنيجر. وقد طبّقت هذه العملية العسكرية القرارات التي اتّخذتها في النيجر خلال تشرين الأول/أكتوبر من العام 2013 لجنة تنسيق العمليات التي أسّسها رؤساء هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الخاصة ببوركينا فاسو ومالي وموريتانيا والنيجر وتشاد وفرنسا قبل ذلك ببضعة أشهر في باريس. وعلى صعيد سلّم الأولويات، كانت لجنة تنسيق العمليات مكلّفة بتحليل البيانات وإعداد خطط عمل نصف سنوية لمواجهة التهديدات على الحدود بين مالي وموريتانيا، وبوركينا فاسو ومالي، والنيجر وتشاد.

غير أن مفهوم العمليات العسكرية المشتركة هذا ليس جديداً في منطقة الساحل، بل هو كان مسعى لإحياء تجربة مشتركة بين مالي وموريتانيا لم تدم طويلاً بدأت في العام 2011. عملية بنكان (أي الوحدة)، شهدت تعاون قوات البلدين طرد مسلحي القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي من قاعدتهم في غابة واغادو في الجانب المالي من حدودهما المشتركة. وبعد عملية روسيت، نفّذ مئات الجنود من الجيوش الخمسة المعنية بضع عمليات عسكرية عابرة للحدود مطلع العام 2014. صحيح أن كل جيش نشط في جانبه من الحدود، لكنه كان يتمتّع بحقّ المطاردة خارج الحدود، بمساعدة الجنود الفرنسيين الذين أمّنوا غطاءً جويًا، فضلاً عن الدعم على صعيد التخطيط واللوجستيات والمعلومات الاستخباراتية وعمليات الإجلاء الطبية.

بعد مرور عام على العمليات العسكرية المنسّقة، التي أثبتت أن ممارسة شنّ حرب بقيادة تحالف، هي أمر واعد، باتت حاجة الدول المعنية إلى مأسسة استشاراتها وتخطيطها وعملياتها العسكرية أكثر إلحاحاً. وبعدما كانت قد أسّست مطلع العام 2014 مجموعة الدول الخمس في منطقة الساحل—وهي إطار عمل تعاوني ما بين الحكومات مصمّم لتعزيز أنشطة التنمية والأمن في المنطقة – تعيّن على قادة منطقة الساحل تحديد كيفية الحفاظ على استمرارية شراكتهم الأمنية. وفي 4 تشرين الثاني/نوفمبر من العام 2015، وقّع رؤساء مجموعة الدول الخمس في منطقة الساحل اتفاقية شراكة التعاون العسكري عبر الحدود، التي نظّمت حركة العمليات العسكرية العابرة للحدود التي نفّذتها هذه الدول. وفي 20 تشرين الثاني/نوفمبر، خلال اجتماع في تشاد، أعلنت الدول عن نيّتها تأسيس قوة مشتركة خاصة بها.

خلال القمة التي عُقدت في باماكو في شباط/فبراير من العام 2017، أي بعد أشهر على حسم الجدل بشأن هيكلية القوة العسكرية المشتركة وعملياتها المحتملة، اعتمد رؤساء الدول مقاربة بسيطة محدودة الغايات. فالقوة المشتركة لمجموعة دول الساحل الخمس لم تكن مولجة بضبط أمن دول منطقة الساحل هذه بأسرها—أقلّه ليس في بادئ الأمر، بل اقتصرت مهمتها الأساسية على ضبط أمن حدود القطاع الشرقي من الساحل بما فيه النيجر وتشاد، والقطاع الوسطي الذي يضمّ مالي وبوركينا فاسو والنيجر، والقطاع الغربي المشتمل على موريتانيا ومالي.

تجدر الملاحظة هنا أن القوة المشتركة لمجموعة دول الساحل الخمس نفّذت أولى عملياتها العسكرية، التي حملت اسم عملية "هاو-بي" (البقرة السوداء) في تشرين الثاني/نوفمبر من العام 2017 في المنطقة الحدودية بين مالي والنيجر وبوركينا فاسو. اما العملية الثانية، عملية بانیالي، فجرت في كانون الثاني/يناير من العام 2018 في المنطقة الواقعة بين مالي وبوركينا فاسو. ومذاك، اكتسبت القوة زخماً سياسياً ودعماً دولياً. وفي الآونة الأخيرة، أثنى مستشار الأمن القومي الأميركي جون بولتون على هذه القوة، داعياً الدول الأفريقية إلى القيام بالمزيد من المبادرات المماثلة.

حتى الآن، لا تزال القوة المشتركة في طور تنمية القدرات، وتعوّل بشكل كبير على المساعدة العسكرية الفرنسية ونيّة المانحين الحسنة. وواقع أن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رفض حتى الآن منح القوة ولاية حفظ السلام بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، عقّد جهود مجموعة دول الساحل الخمس الرامية إلى ضمان تدفّق ثابت للإيرادات. ومن دون الحصول على موازنة عمليات حفظ السلام الخاصة بالأمم المتحدة، ستواجه القوة صعوبات لتخطي تحديات التمويل التي تعترضها.

كذلك، يتوقّف نجاح القوة المشتركة لمجموعة دول الساحل الخمس على قدرتها على تمييز نفسها في بيئة أمنية مكتظة، فيما هي تنسّق خطواتها مع القوات العسكرية الأفريقية الأخرى والغربية المتواجدة في المنطقة. على سبيل المثال، لم يتمّ بعد التوصّل إلى تسوية كاملة لمسألة التعاون، ولاسيما بين بعثة الأمم المتحدة المتكاملة المتعددة الأبعاد لتحقيق الاستقرار في مالي والقوة المشتركة لمجموعة دول الساحل الخمس التي توفّر 35% من الجنود العاملة ضمن البعثة.

يبرز أيضًا تحدٍّ ثالث أمام القوة المشتركة لمجموعة دول الساحل الخمس، ألا وهو كسب دعم الشعوب المحلية. فلكي تصبح مجموعة دول الساحل الخمس حامية أمن المنطقة الشرعية، يجدر بها أن تضفي طابع الاحتراف على جيوشها وشرطتها وخدماتها الاستخباراتية، ناهيك عن ملاحقة انتهاكات حقوق الإنسان بجدّية.

أخيراً، تُعتبر القوة المشتركة لمجموعة دول الساحل الخمس مبادرة قيّمة، بإمكانها تعزيز التعاون العسكري الإقليمي على امتداد منطقة جغرافية شاسعة تعبرها جماعات مسلحة، وعصابات التهريب والاتجار بالبشر العابرة للحدود الوطنية. لكن لتحسين دورها كحافظ للاستقرار إلى أقصى حدود، على القوة اعتماد إطار عمل سياسي من شأنه تعزيز وصول الناس إلى العدالة وخفض حالات عدم المساواة على الصعيد الاجتماعي-الاقتصادي.

تم إصدار هذه الدراسة بدعمٍ من برنامج X-Border Local Research Network (شبكة البحث المحلية حول القضايا العابرة للحدود الوطنية) الذي يحظى بتمويل من مشروع UK Aid التابع للحكومة البريطانية. إن الآراء الواردة في هذه الدراسة لا تعبّر بالضرورة عن السياسات الرسمية للحكومة البريطانية.