أعرف أن ما ساقوله هو أمر صعب جداً في ظل توازنات القوى القائمة، ولكنني أكتبه، أولاً، كرد على بعض أنصار الطبقة السياسية المهيمنة الذين يريدون نقل النقاش الى ساحات ثانوية،

وثانياً، للفت نظر بعض أنصار الحركة الاحتجاجية إلى أن الاحتجاج لكي يكون فعالاً يجب أن ينتج تغيرات بنيوية. لذلك أرجو أن لايعلق أحد بالقول إنها اقتراحات صعبة التنفيذ لأنني أعرف ذلك مسبقاً، لكنني أحاول تخيل السيناريو الأفضل.

حارث حسن
حارث حسن باحث أول غير مقيم في مركز كارنيغي للشرق الأوسط، تركّز أبحاثه على العراق، والطائفية، وسياسات الهوية، والقوى الدينية، والعلاقة بين الدولة والمجتمع.
More >

لو انتهت الحركة الاحتجاجية الراهنة الى تحقيق إجرائين إصلاحيين رئيسيين، واحد سياسي وآخر اقتصادي، فإنها تكون قد أنجزت تحولاً جذرياً يعيد الثقة والشرعية للعملية الديمقراطية، ويعيد صياغة السياسات التوزيعية بشكل يضمن عدالة اجتماعية أكبر.

- سياسياً، قانون جديد للانتخابات يسمح بصعود المرشح الذي يحصل على أعلى الأصوات في دائرة انتخابية صغيرة، بحيث يمثل كل نائب دائرته (وتمنع بشكل فعلي وليس نظري مشاركة أي قوة سياسية ذات تنظيم مسلح، ويعاد النظر تماماً بقانون الاحزاب بحيث يفرض عليها أن تكون أحزاب ديمقراطية تتداول القيادة فيها وتكشف مصادر تمويلها ويمنع مشاركة أي حزب عليه شبهات) .

- اقتصادياً، أن يتم توزيع ٣٣% من عائدات النفط على كل مواطن عراقي، وتوضع ٣٣% في صندوق معني بالاستثمار الداخلي والتنمية وتطوير البنية التحتية، يخضع لرقابة البرلمان وتكشف حساباته بشكل دوري، ويخصص الثلث الأخير للميزانية التشغيلية (رواتب ومصروفات المؤسسات الحكومية) .

هذان الإجراءان ليسا سهلين، وسيلقيان مقاومة كبيرة، فالأول يعني قبول الزمر المهيمنة على السلطة بخريطة طريق تؤمن لها خروجاً آمناً والسماح بصعود دماء جديدة وطبقة سياسية مختلفة وأكثر تمثيلية لمجتمعاتها، والثاني يعني تقليص عدد الموظفين وتسريح عدد كبير منهم وتفكيك الزمر الزبائنية التي اخترقت مؤسسات الدولة.

مع ذلك، فإن المواجهة الراهنة بين الشارع والسلطة، بين الغالبية المجتمعية والاوليغاركية الحاكمة، ليست حول تنحية شخص أو تغيير أسماء المؤسسات، بل هي حول استعادة الديمقراطية كنموذج يعبر عن حق المواطنين في أن تتمثل مصالحهم في مؤسسات السلطة، وإعادة التوازن بين الدولة والمجتمع، وتفكيك الإقطاعيات السياسية والشبكات الافتراسية التي بنتها عبر نظام انتخابي يعيد إنتاج سلطتها، ويجعلها قادرة على انتزاع جزء كبير من الريع النفطي لإدامة شبكات مصالحها.

حسنا ، اعترف انني كتبت هذه السطور وأنا أعرف تماماً أن الاقتراحات الواردة صعبة ، ولها سلبياتها التي يمكن أن أدخل في جدل طويل مع المختصين حولها.لكنني أردت القول إن هنالك بعدين أسهما في إطلاق الحركة الاحتجاجية الراهنة،واحد سياسي ،يتعلق بانغلاق النظام على مجموعة من الزمر الطفيلية التي تعلمت كيف تعيد انتاج هيمنتها عبر الحيل القانونية والممارسات غيرالقانونية، والتمكن من أدوات السلطة ( تحديداً المال والعنف)، وتفريغ العملية الديمقراطية من محتواها ، والثاني اقتصادي يتعلق بانحسار الموارد وسوء توزيعها والطابع الريعي-الزبائني لمنظومة السلطة ، واقترانها بممارسات نهبية (يحميها القانون) وبتعطيل أي ممكنات لتطور اقتصاد محلي منتج .مجرد تخيل ما يحمله المستقبل من كوارث اقتصادية مع التراجع المحتمل لأسعار النفط بسبب تدني الطلب عليه ، في ظل تواصل التضخم الديموغرافي في العراق، يفرض علينا التفكير-بعض الشيء- - خارج الصندوق.

في النهاية انظر للحراك الراهن باعتباره ليس فقط صراعاً، بل هو أيضاً تفاوض بين الشارع والسلطة، وهنالك ثلاثة سيناريوهات قد تنتج عنه، الأول أن تنتصرالسلطة فتصبح أكثر سلطوية وقمعية وانغلاقاً ، والثاني أن ينتصر الشارع بدون أن يكون البديل جاهزاً، فتكون الفوضى. السيناريو الأفضل يمكن ان يتحقق بانتزاع تنازلات أساسية،سياسية واقتصادية،من السلطة، عبر استثمار خوفها من خسارة كل مالديها لإجبارها على التخلي عن بعض ما لديها. لايحصل ذلك عبر حلول شكلية وترقيعية وغيرمدروسة (فكرة النظام الرئاسي مثلاً) ،بل عبر مخارج بنيوية تضعف من سلطة الاوليغاركية الحاكمة وتسمح بتمثيل أكبر للقوى المجتمعية الجديدة.

يجب أن يكونوا خائفين الى الحد الذي يجبرهم على تقديم تنازلات كبيرة ..ولكن يجب أن يمنحوا فرصة الخروج الآمن الى الحد الذي يسمح بانتقال سلس...

تم نشر هذا المقال في صحيفة المدى.