يبدو أننا لا نبالغ حاليا، إن قلنا أن الفشل في مشروع الحركة الوطنية الفلسطينية الدولاني وما يخلقه من زعزعة لصدقيتها في أعين الجماهير، يدفع إلى اشتداد عود الحركات الدينية الدوغمائية. وليس المقصود هنا حركتي "حماس" أو "الجهاد الإسلامي" اللتين كان عليهما ولوج الشرعية السياسية الفلسطينية عبر الاشتراك بالمشروع التحرري المقاوم للاحتلال، إلى جانب الالتزام بقواعده وأهمها السعي لإقامة دولة مستقلة قطرية بالضرورة، وإنما أحزاب وجماعات إسلامية أخرى، بأهداف ومشاريع مختلفة، لكن الذي يجمعها هو التنكر للحركة الوطنية ونهجها، والعداء للحريات والحقوق الديمقراطية والاجتماعية والفكرية.
ولعل اشد هذه الحركات تأثيرا، وأكثرها امتلاكا لبرنامج سياسي واضح، هو حزب التحرير الإسلامي الذي تأسس في القدس مطلع عام 1953، على يد القاضي تقي الدين النبهاني، والذي جعل من فكرة إحياء دولة الخلافة، عنوانا دائما لنشاطه السياسي، باعتبارها فرضا دينيا، إضافة إلى كونها حلا سحريا لجميع مشاكل مسلمي العالم السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وباعتقاد الحزب فإن إقامة دولة الخلافة لا يتم عبر عمل تضطلع به الشعوب (ثورة من الأسفل)، وإنما بانقلاب تنفذه احد الجيوش بالتعاون مع أنصاره في دولة مسلمة، لتزحف بعدها فاتحة أنحاء العالم بما في ذلك تحرير فلسطين من "اليهود"، وهو ما يبدو بالمناسبة نسخا بعباءة إسلامية، للرؤية الماركسية اللينينية التي تتخذ من ثورة تقودها طليعة تعتنق أفكارها طريقا للوصول إلى السلطة.
وبالطبع، يشترك حزب التحرير مع الحركات الإسلامية الأخرى في أن العودة إلى"الأصول" و"السلف الصالح" هي الطريق لتجاوز الحاضر المرير وبناء مستقبل مزدهر، ولكن، إذا كانت حركة "الإخوان المسلمين" قد استوعبت، بطريقة أو بأخرى، الأفكار الحديثة كالديمقراطية وحقوق الإنسان، التي لم يعد بإمكانها تجاهلها بعد أن نشطت في المجتمع المدني، والمنظمات المهنية، وبين أساتذة الجامعات، إضافة إلى دخولها حلبة الصراع السياسي ومنافستها في الانتخابات ووصولها البرلمان، فإن حزب التحرير يصرح علنا برفض هذه المفاهيم ناعتاً إياها بالكفر البواح والمؤامرة التي يسعى الغرب من خلالها إلى إحكام سيطرته على المسلمين.
وحتى وقت قريب لم يكن الحزب يحظى بثقة الفلسطينيين، نظرا لكونه حزبا خطابيا، يقتصر نشاطه السياسي على إلقاء المواعظ وإصدار البيانات المروجة لفكرة إعادة الخلافة، في وقت كانت الفصائل الفلسطينية تستقي شرعيتها من تضحياتها في سبيل التخلص من الاحتلال. ولكن، أصبح بإمكان الحزب اليوم المحاججة بصوابية نهجه، أو على الأقل التلويح به كقشة لغريق، بعد أن غدا حلم الدولة الفلسطينية المستقلة مهددا بالتبدد والضياع، اثر استنفاذ الحركة الوطنية الفلسطينية خياري المقاومة والتفاوض دون تحقيق انجازات ذات قيمة على الأرض، في ظل موازين قوى مختلة بالكامل لصالح إسرائيل غير الراغبة بالسلام.
وتعطي تحركات الحزب خلال السنتين الماضيتين، والمدروسة بعناية، دليلا واضحا على نفوذه الأخذ بالتعاظم، فمستفيدا من تعثر تجربة حماس في الحكم، حشد الحزب نحو عشرة ألاف شخص من أنصاره، في مهرجان ضخم نظمه في آب 2007 بمدنية رام الله، في ذكرى سقوط الخلافة. ومستفيدا أيضا من تلاشي أمال الفلسطينيين من المفاوضات، سير الحزب مسيرات غاضبة في معظم المدن الفلسطينية تحت شعار "فلسطين يحررها زحف الجيوش لا زحف المفاوضين"، مع الانتباه للمعنى المختلف الذي تحمله كلمة زحف في كلا الاستخدامين، وذلك احتجاجا على مؤتمر انابوليس للسلام في تشرين الثاني 2007.
والملاحظ كذلك هو التنوع الاجتماعي الذي بدأت قاعدة الحزب تشهده، فبعد أن كان يقتصر على فئة التجار التقليديين المنحدرين بالأغلب من مدينة الخليل أكثر المناطق الفلسطينية محافظة، أو من هجرها منهم إلى مدينة القدس بحثا عن أسواق جديدة، بات يتغلغل الآن في أوساط طبقات أخرى، بحيث أصبح بالإمكان مشاهدة ألاف الفقراء والفلاحين، وكثير منهم من جيل الشباب، يصطحبون أطفالهم ونسائهم المحجبات والمنقبات، بحافلات ضخمة غير مختلطة إلى مواقع احتفالاته، حيث يتولى الثري الذي يدفع تكاليف الرحلة، مصاريف طعامهم وشرابهم أيضا، إضافة إلى إعادتهم لمنازلهم.
ورغم حالة عدم الاشتباك التي يتبعها الحزب مع إسرائيل وبشكل اقل مع المجتمع المحلي خاصة الفئات الضعيفة فيه كالنساء، فلا يمكن إغفال ما تعكسه حالة الإقبال عليه من غضب وإحباط، قد تنفجر يوما ما لتأخذ طابع عنف داخلي أو خارجي أو كليهما معا، خاصة وأن حزب التحرير يشترك مع الحركات الإسلامية المتطرفة في ذات المرجعية المتشددة المستقاة من كتابات أبي الأعلى المودودي وتفسيرها القطبي (نسبة إلى سيد قطب)، والتي تقسم العالم إلى دار إسلام ودار كفر، الحرب هي لغة الحوار الوحيدة بينهما.
والمؤسف هنا، أن القضية الفلسطينية ستكون أول ضحايا هذا الانفجار، حتى ولو طال في جزء منه الاحتلال، وهو ما يفسر تغاضي إسرائيل عن نشاطات حزب التحرير. فإضافة لتنكره لمبدأ الدولة الفلسطينية التي تمحور الكفاح الفلسطيني حولها لعشرات السنين، فإن انتصار خطاب حزب التحرير على خطاب الحركة الوطنية، من شأنه أن يزج بالقضية الفلسطينية في خانة الصراع الديني، التي يروج لها المحافظون الجدد وتريدها إسرائيل لوصم المقاومة الفلسطينية بالإرهاب الإسلامي، ولنسف كل الجهود التي بذلها الفلسطينيون لإقناع العالم بأن ما يتعرضون له هو احتلال استيطاني يسعى لاقتلاعهم من أرضهم وحرمانهم من حقوقهم المشروعة في الحرية والاستقلال التي تكفلها لهم القوانين والأعراف الدولية.
كما أن الحزب وبتنصيبه العقيدة الدينية محددا وحيدا للانتماء (مسلم مقابل كافر)، يعمل على محو الهوية الوطنية، مضيفا مزيدا من التشرذم والفرقة إلى صفوف الفلسطينيين، الذين هم بأشد الحاجة إلى التوحد بمختلف أديانهم ومذاهبهم وانتماءاتهم الأيدلوجية في وجه محاولات الاستيطان والتهويد التي تقوم بها إسرائيل.
يضاف إلى ذلك، ما يشكله اتساع شعبية حزب التحرير واقتناع الجماهير بنهجه، من خطر جسيم على البنى والأفكار الحديثة التي بذل الفلسطينيون – لاسيما اليساريون منهم- جهودا كبيرة في ترسيخها، مثل الاتحادات والنقابات والمسارح وحلقات النقاش، ومن الأدلة على ذلك، الاعتداء الذي شنه ناشطون من حزب التحرير في أيار الماضي على مركز نسوي في قرية بديا شمال الضفة الغربية، لأنه قام بتعليم النساء الدبكة الشعبية.
وأخيرا يرى كثيرون أن الانحناء هو خير وسيلة للخروج من العاصفة بأقل الخسائر، لكن الخراب الناجم عما تمر به القضية الفلسطينية من كوارث وأعاصير، يتطلب من الفلسطينيين وقفة وتحركا جديين، قبل أن يقتلع الاحتلال واليائسون منهم ما تبقى لهم من حلم بالاستقلال والديمقراطية.

عمران الرشق هو كاتب و محلل فلسطيني.