شهدت المنطقة العربية تحولات هامة على الصعيد الاقتصادي حيث أخذت غالبية الدول العربية تعمل جاهدة على توفير المناخ الملائم لجذب الاستثمارات لتكون أداة أساسية لها في مسعاها لتحقيق التنمية الشاملة. وفي العراق وتحديدا بتاريخ 10/10/2006 اقر مجلس النواب العراقي وبالإجماع قانون الاستثمار رقم (13) لسنة 2006، ونشر في جريدة الوقائع العراقية – العدد 4031 (5) في 17/1/2007، ويهدف القانون إلى تشجيع القطاع الخاص العراقي والأجنبي على الاستثمار في العراق من خلال توفير التسهيلات اللازمة وحماية حقوق وممتلكات المستثمرين. إلا انه لم ينفذ، بل ولم تعلن تشكيلة هيئة الاستثمار لغاية الآن، وهذا ما يجعلنا نتساءل هل تم تشريع هذا القانون مع وقف التنفيذ، وليكون حبرا على ورق بالرغم من العجالة التي طرح فيها ودون مناقشته في أورقة القطاع الخاص بشكل واسع وتهميش ذلك القطاع، مما سيلقي بضلال قاتمة على جملة من المعطيات التي ستنجم عن القانون.
ومن هنا قرر مركز بحوث السوق وحماية المستهلك في جامعة بغداد بالمشاركة مع منضمات أخرى تمثل القطاع الخاص إجراء دراسة تحليلية في أواخر العام الماضي لآراء واتجاهات عينة قيادات ما يقارب أربعين منظمات اقتصادية وجمعيات الأعمال (القطاع الخاص) حول هذا القانون لبلورة خلاصة دقيقة لتصورات وانطباعات القطاع الخاص عن القانون، واستقصاء مواطن القوة والضعف فيه واستقراء الفرص والتحديات الناجمة عنه للوصول إلى ما يرتجونه من القانون، ولبلورة أفكارهم ومخاوفهم من إفرازات القانون قبل تطبيقه ليتمكنوا من وضع مقترحاتهم وتوجهاتهم أمام السلطة التنفيذية الخاصة به بما يزيد من فاعليته لتحقيق أهدافه الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. شملت عينة الدراسة رؤساء ونواب وأعضاء مجالس إدارة عدد من المنظمات الاقتصادية وجمعيات الأعمال في عموم العراق.
تثبت الدراسة صلاحية قانون الاستثمار الحالي وبشكله الأولي للتطبيق على أرض الواقع، حيث اظهر أكثر من ثلاثة أرباع العينة تأييده للقانون ببنوده ومواده وحالاته المختلفة. ولكن ستكون فاعليته أكبر وواقعيته أكثر وشموليته أدق فيما لو أخذت بعض التوصيات بنظر الاعتبار. ومن أهم هذه التوصيات زيادة عدد ممثلي القطاع الخاص في الهيئة الوطنية للاستثمار وفي هيئات الأقاليم والمحافظات ليتساوى عددهم أو يزيد عن ممثلي القطاع العام ليكون التمثيل أكثر موضوعية وشمولية لمختلف القطاعات الاقتصادية. كما أن هناك تخوف من وقوع الهيئة الوطنية للاستثمار وهيئات الاستثمار في المحافظات والأقاليم تحت التأثيرات السياسية، ويعتقد أن احد أسباب تأخير تنفيذ القانون لغاية الآن هو شموله بنظام المحاصصة السياسية المقيتة.
أما بالنسبة لطبيعة الارتباط والتنسيق والتنظيم بين الهيئة الوطنية وهيئات الاستثمار في الأقاليم والمحافظات فيجب أن تحددها تعليمات القانون بشكل يضمن دور الهيئة ومكانتها ويقوي مركزها في المتابعة والتوجيه. وان تصوغ الهيئة إستراتيجيتها للاستثمار على وفق منهجية علمية تشمل تشخيص الرؤية، وتحديد الغايات، وصياغة الأهداف، وإعداد الخطط السنوية. ومن المهم مناقشة الإستراتيجية وتقويمها دورياً، والبدء بإعداد آليات عمل الهيئة بحيث تكون هذه الآليات مرشد وموجه واضح ودقيق لبيان حقوق والتزامات الهيئة في مقابل حقوق والتزامات المستثمرين والمشاريع الاستثمارية.
إن من طبيعة رأس المال أنه يفضّل الاتجاه إلى الأسواق التي يطبّق فيها قانون شامل وواضح لكافة أحكام الاستثمار. لذلك فإن استقرار وتوحيد المبادئ والقواعد التي تحكم عمليات الاستثمار وتحديث القوانين لتسهيل الإجراءات المرتبطة بها يعتبران المدخل الأساسي لتوفير المناخ الاستثماري الجيد. إذ أن عدم وجود قانون شامل للاستثمار وتبعثر أحكامه في قوانين مختلفة يطرح عدداً من المشكلات تحول دون فهم المستثمر للأحكام المنظمّة للاستثمار فهماً صحيحاً. وينبغي أن تحدد تعليمات القانون المذكور حدود تداول المستثمر الأجنبي في السوق المالي والمحافظ الاستثمارية بشكل يضمن عدم سيطرته واحتكاره، وان تدرج المزايا الممنوحة للمستثمر في قانون الاستثمار لمنع الاجتهاد والاستغلال والفساد. وينبغي أن تراعي تعليمات القانون وضع آليات للتعاون والتنسيق وعدم التضارب مع تعليمات البنك المركزي العراقي. وبهدف جذب أكبر عدد من المستثمرين لابد من زيادة عدد سنوات الإعفاء الضريبي.
ويحتاج تطبيق القانون الحالي إلى تأسيس ثقافة الحوكمة والتعامل مع حقوق الملكية الفكرية وتوسيع المعارف والخبرات في مجال قراءة قوانين الاستثمار والاقتصاد والإدارة المالية، ويعد التدريب الطريق الأسرع والسبيل الكفيل بسد هذا العجز النوعي. كما يجب أن تقوم الحكومة بدراسات لتخفيض الإجراءات والأوراق المطلوبة من المستثمر لمنح الموافقات على التراخيص حيث ستتولي هيئة الاستثمار مهمة التعامل مع هذه الجهات بدلاً من المستثمر. فضلاً عن ذلك فإن الحاجة قائمة لتوفير محاكم اختصاصية في مجال نزاعات الاستثمار، وحصر حل المنازعات بالقانون والمحاكم العراقية شريطة تهيئة المستلزمات المادية والبشرية والمعرفية اللازمة للقيام بهذه المهمة لتحقيق سرعة الفصل في النزاعات القضائية مع الجهات الحكومية من خلال لجنة متخصصة في هيئة الاستثمار يرأسها أحد رجال القضاء .
إن فعالية قانون الاستثمار ستتوقف إلى حد كبير على استيعاب هذه التوصيات. فإذا أخذت في الاعتبار خلال عملية تنقيح ومراجعة قانون الاستثمار، سوف ترفع من قدرته على تحسين مناخ الاستثمار في البلاد، وتقوية القطاع الخاص.

منى تركي موسى مديرة مركز بحوث السوق وحماية المستهلك في جامعة بغداد.