الاحتجاجات العمالية و أزمة الخبز التي شهدتها مصر أخيرا—عندما دعي الجيش لتنظيم توزيع الخبز وإعادة النظام—تناقض معدلات النمو التي تقدمها الحكومة المصرية والتي تؤكدها المؤسسات المالية الدولية. ومع أن الأردن لم تشهد نفس الاحتجاجات ازدادت الشكاوي من ارتفاع معدل التضخم بالرغم من النمو الاقتصادي الملحوظ. في الأردن ومصر، بدأ القطاع الخاص تأدية دور أكبر بكثير، وتسارع نمو إجمالي الناتج المحلي، كما تزدهر الاستثمارات الخارجية المباشرة والأسواق المالية وقطاع العقارات. غير أن اقتصادَي البلدين فشلا حتى الآن في تلبية حاجات مواطنيهما الأشد فقراً والأكثر معانات من ارتفاع تضخم أسعار السلع الأساسية. لم تُخفَّض الثغرة بين الأثرياء والفقراء، ولا تزال مستويات البطالة تراوح مكانها.
سجّل إجمالي الناتج المحلي الحقيقي في الأردن نمواً مطرداً بمعدل ستة في المائة في السنة من 2003 إلى 2007. وارتفعت الاستثمارات من 52.8 مليون دينار أردني (2002) إلى مليارين ومئتي ألف دينار (2006)، وكل المؤشرات الماكرواقتصادية الأخرى إيجابية أيضاً. غير أن البطالة لا تزال على حالها مع نسبة 14 في المائة تقريباً، ولم ينخفض عدد الأردنيين الذين يعيشون دون خط الفقر – ويُقدَّر ب14.7 في المائة في التقارير الحكومية الأخيرة.
هناك تفسيرات عدة لهذا النمو "الأقل رفاهاً". أولاً، لم ينبع النمو في الأردن سوى من قطاعات قليلة مثل التصنيع والاتصالات السلكية واللاسلكية والبناء. فمعظم الوظائف المستحدثة في قطاع التصنيع هي نتيجة تعيين مناطق صناعية تنتج وتصدّر للأسواق الأميركية. جاء المستثمرون في شكل أساسي من جنوب آسيا واتكلوا على اليد العاملة الرخيصة لتحقيق التنافسية؛ فقد ذهب نحو 54 في المائة من حوالي 40 ألف وظيفة جديدة استُحدِثت في التصنيع، إلى غير الأردنيين. وفي قطاع البناء، ذهبت معظم الوظائف الجديدة أيضاً للعمال الأجانب ولا سيما المصريين. إذاً شهدت هذه القطاعات نمواً واستحداثاً للوظائف، لكنهما لم يفيدا كثيراً الأردنيين العاطلين عن العمل. عندما تُسنَد وظائف جديدة إلى الأردنيين، تكون غالباً في قطاعات منخفضة الأجور مثل الخدمات المنزلية. وتتسم هذه الوظائف عامة بظروف عمل غير مقبولة وغياب الضمان الاجتماعي أو تدابير العمل بدوام إضافي التي تحمي العمّال.
يستحدث قطاعا المالية والاتصالات السلكية واللاسلكية في الأردن وظائف مرتفعة الأجور لكنها تتطلب مستويات من التحصيل العلمي لا تتوافر عادة لدى الفقراء. ومعامل جيني (يقيس عدم المساواة في المداخيل) هو خير إثبات عن أن النمو لم يحقق فائدة للفقراء. فقد ظل عند مستوى 0.37 بين 2002 و2006، مما يشير إلى أنه لم يحصل أي تغيير هيكلي في المدخول أو الاستهلاك من شأنه أن يسمح بالحركية بين الطبقات الاجتماعية.
سجّل إجمالي الناتج المحلي الحقيقي في مصر نمواً هزيلاً بلغ 1.7 في المائة عام 2003، لكنه يزداد باطراد منذ ذلك الوقت، وقد بلغ 6.8 في المائة عام 2007 ومن المتوقع أن يتجاوز السبعة في المائة في السنة المالية 2007/2008. ونتيجة استحداث مليونين و400 ألف وظيفة جديدة، تراجعت البطالة من 10.5 في المائة عام 2006 إلى تسعة في المائة عام 2007. لكن كما في الأردن، تحقق النمو في مصر إلى حد كبير في قطاعات (الطاقة والاتصالات السلكية واللاسلكية والبناء) لا تستخدم العشرين في المائة من المواطنين الذين يعيشون دون خط الفقر. تشهد السوق العقارية طفرة، مما يجعل المساكن أكثر فأكثر خارج متناول الفقراء. علاوة على ذلك، أُرغِمت الحكومة على الحفاظ على الدعم للمواد الغذائية، مما سبّب عجزاً في الموازنة بلغ 7.5 في المائة من إجمالي الناتج المحلي لعام 2007، ومن المتوقع أن يزداد عام 2008.
وكما هي الحال أيضاً في الأردن، بدأت الحكومة المصرية تحدّد أسعار الطاقة بحسب السوق الدولية، وتنوي إلغاء معظم الإعانات للطاقة الصناعية بحلول سنة 2010. وهكذا بدأ المصريون – وعدد كبير منهم يتقاضون أجوراً لا تتغير – يتأثرون بالزيادات العالمية في أسعار الطاقة والمأكولات، مما سبّب تضخماً بمعدل 6.2 في المائة عام 2006 و7.4 في المائة عام 2007. وتركّز التضخم في منتجات مثل المواد الغذائية والسلع الأساسية التي تستحوذ على حصة مهمة في استهلاك الأسرة. عام 2007، شكّلت المواد الغذائية 44 في المائة من إجمالي التضخم، وساهمت تكاليف الطاقة المتزايدة في 13.5 في المائة. وهناك نقص أيضاً في بعض المواد؛ كما أبرزت أزمة الخبز الأخيرة.
وأدّى الإصلاح الاقتصادي أيضاً إلى تغييرات أخرى بدأت تثير التململ في مصر. يعمل 38 في المائة من المصريين الذين يتقاضون رواتب وأجوراً ثابتة من دون عقود رسمية أو ضمان اجتماعي؛ وتصل النسبة في القطاع الخاص إلى 71 في المائة. ثمة أدلة بأن الخصخصة أدّت إلى تدهور الظروف الصحية وظروف السلامة، بينما تحاول وزارة القوى العاملة والنقابات التجارية إرساء توازن بين حقوق العمال والمصالح الاقتصادية للمالكين في القطاع الخاص. عام 2008، شهدت مصر كثافة إضرابات وتعبئة عمالية لم تعرف لها مثيلاً منذ عقود. بدأت الإضرابات في مصانع الثياب، لكنها توسّعت لتشمل مجموعة أكبر من الطبقة العاملة المصرية، وتحوّلت أكثر فأكثر سياسية في طبيعتها.
من الممكن أن كلاً من الأردن ومصر يعيش مراحل انتقالية، وأن منافع النمو الاقتصادي اللافت ستصل في نهاية المطاف إلى الفقراء. في الوقت الراهن، يعاني الفقراء بصورة غير متكافئة من التضخم الذي غالباً ما يرافق النمو، واتجاهات الأسعار العالمية. فالتضخم يتركز في شكل عام في المواد الغذائية والسلع الأساسية التي تشكّل الحصة الأكبر من السلة الاستهلاكية للفقراء. في المقابل، يستطيع أصحاب الممتلكات والأسهم أن يكيّفوا نفقاتهم، كما أنهم يتمتعون بحماية أكبر من عواقب التضخم. نظراً إلى المضاعفات السياسية المقلقة، يتعيّن على الحكومتين الأردنية والمصرية وضع سياسات ماكرواقتصادية شاملة كي تطال منافع النمو الاقتصادي الفقراء عاجلاً وليس آجلاً.

إبراهيم سيف مدير مركز الدراسات الإستراتيجية في جامعة الأردن. آفا ليون باحثة في مركز الدراسات الإستراتيجية.