كثيراً ما يجري ربط عملية إصلاح التعليم في دول مجلس التعاون الخليجي بالضغوط الأمريكية، إذ يعتقد الكثير في واشنطن أن المناهج التعليمية في هذه الدول تشجع التطرف والإرهاب. غير أن مشروعات تطوير التعليم الخليجية تتجاوز هذا العنصر، فالإصلاح "الأمريكي" يركز على "المناهج الدراسية" وحدها، وتحديداً مناهج التربية الدينية والوطنية واللغة العربية. وبمقارنة هذه النظرة الضيقة بأهداف مبادرات تطوير التعليم الخليجية، تبدو المناهج جزءاً من كلٍّ أوسع، يشمل تأهيل المعلمين وتدريبهم، وتطوير تقنيات وأساليب التدريس وطرائق التقويم، والمباني المدرسية، والاستجابة لمتطلبات سوق العمل، وتعليم اللغات الأجنبية.

ولكن هذه الحقيقة لا تمنع أن دول الخليج أدخلت تعديلات على مناهج التربية الدينية والوطنية واللغة العربية. وحدث ذلك في المملكة العربية السعودية بشكل خاص، إذ دُمجت المواد الدينية المتنوعة (القرآن والتجويد والتوحيد والفقه والسيرة) ومواد اللغة العربية (كانت خمس مواد منفصلة وأصبحت مادة واحدة) وأعيدت كتابة موضوعاتها. والتربية الوطنية والاجتماعية أصبحت بدورها مادة واحدة، كما أضيفت مواد جديدة ذات دلالة خاصة، مثل حقوق الإنسان، إلى المناهج. أما باقي دول الخليج فلم تكن في حاجة إلى هذه التعديلات الجذرية، وعدا تغييرات طفيفة في بعض الموضوعات في مناهج التربية الدينية واللغة العربية فإن المناهج بقيت على ما هي عليه.

السياق الأوضح لتطوير التعليم في الخليج، إذن، لا يرتبط في عمومه بالضغوط الأمريكية، بل بسياق عالمي قفزت فيه التنمية الشاملة لتصبح ضمن الأولويات العالمية بعد غياب الصراع الأيديولوجي عن المشهد الدولي، كذلك فإن السياق الخليجي نفسه مر بتغيرات أعيد فيها ترتيب الأولويات السياسية، وارتبط ذلك بشكل خاص بالموقف من الصراع العربي- الإسرائيلي الذي تراجعت أهميته بصورة ملحوظة، وتراجع الدوافع والاتجاهات القومية، وزيادة الانخراط في حركة العولمة اقتصاديا واجتماعياً، وكان من الطبيعي أن تحل مفاهيم جديدة محل المفاهيم القديمة، منها مفاهيم التنمية الشاملة واستثمار الموارد البشرية وضمان التقدم واستدامته.

من جهة أخرى فإن دول الخليج الصاعدة والطموحة، وخاصة الدول الصغيرة التي ارتفعت مداخيلها وتطور اقتصادها بسرعة، وجدت الفرصة سانحة للانخراط في السعي نحو تحقيق مكانة متقدمة عالمياً، وتكوين صورة ذهنية مختلفة لها على المستوى الدولي، تلعب فيها التنمية والتطور الاقتصادي والتعليمي دوراً رئيسياً. لذا فإن تلبية متطلبات سوق العمل في بيئة دولية تنافسية كانت ضمن أهم أهداف خطط تطوير التعليم في هذه الدول الصغيرة.

في كل دول الخليج كانت هناك "مبادرات" أو "مشروعات" تحت أسماء مختلفة، وفي هذا الإطار أصبحت وزارات التربية والتعليم تعترف، في صراحة مثيرة للتساؤل والدهشة، بتدني الأداء التعليمي، وتتنافس على انتقاد ذاتها، وتتفق على الحاجة إلى التطوير.

في قطر هناك مبادرة "تعليم لمرحلة جديدة"، التي يرعاها المجلس الأعلى للتعليم (أنشئ عام 2002)، وهناك تجربة المدارس المستقلة، التي تقوم على منح المدارس صلاحيات كبيرة وإنهاء السيطرة المركزية عليها، وتطوير مناهجها وأساليب التعليم فيها. ومن المستهدف أن تصبح كل مدارس قطر مدارس مستقلة خلال السنوات القادمة. وفي دولة الإمارات هناك "مدارس الشراكة ومدارس الغد والمدارس النموذجية" (بدأت محاولات التطوير بالإمارات مبكراً عام 1999 مع خطة "2020"، وتواصلت بعد ذلك بصورة مستمرة)، كما تشكلت مجالس للتعليم في إمارات الدولة تبذل جهوداً متنوعة وتنفذ خططاً لتطوير التعليم بالتعاون مع وزارة التربية والتعليم. وفي البحرين هناك "مدارس المستقبل" (أنشئت عام 2004) وجرى مؤخراً إطلاق "المشروع الوطني لتطوير التعليم والتدريب" (ومديره التنفيذي خبير استرالي هو مارتن فورست). وجميع هذه التجارب الخليجية تقوم على فكرة إنشاء مدارس ذات مستوى راق، تتوافر لها الإمكانيات اللازمة لتحقيق مخرجات تعليمية عالية المستوى.

وفي كل هذه المدارس يحتل التعليم باللغة الإنجليزية مكاناً شديد الخصوصية. وتعليم الرياضيات والعلوم باللغة الإنجليزية يحظى بأولوية مطلقة في خطط الإمارات وقطر، في حين تبدو التقنية ملمحاً بارزاً في التجربة البحرينية. وهناك حضور ملحوظ في الدول الثلاث للخبراء الأجانب، وبيوت الخبرة العالمية، كما أن تجارب الدول التي حققت نجاحاً تعليمياً ملحوظاً، مثل سنغافورة وكندا ونيوزيلندا، توضع نصب الأعين، وترد كثيراً في الخطاب التربوي الرسمي، مع السعي إلى تنفيذ برامج مشتركة مع هذه الدول أو استنساخ تطبيقاتها.

ويبدو أن الدول الصغيرة أقرب إلى سرعة التحرك وسهولته، من دولة مثل السعودية التي تأخرت فيها المبادرات كثيراً، وكانت أقل شمولاً. فقد جرى الإعلان عن "مشروع الملك عبد الله لتطوير التعليم" في منتصف عام 2007، وهو مشروع ذو عناوين عامة ولا يتضمن خططاً تنفيذية، ومع ذلك فقد الموافقة على المبلغ المرصود له(9 مليارات ريال ، أي 2.3 مليار دولار خلال ست سنوات).

والحقيقة أن المشكلة في السعودية معقدة، ففي بلد يبلغ عدد طلاب مدارسه نحو 5 ملايين طالب، ويعاني فيه المعلمون أوضاعاً صعبة (راتب المدرس السعودي في المدارس الأهلية الخاصة 2000 ريال، أي 550 دولاراً، وتمنحهم الدولة 2000 ريال إضافية)، فإن أي محاولة للإصلاح ستكون محفوفة بمخاطر اقتصادية أولاً، ومخاطر اجتماعية ترتبط بقوة التيارات الدينية التي تنظر بحذر إلى إصلاح التعليم. وتوسيع تعليم اللغة الإنجليزية- مثلا- يبدو هدفاً يتطلب خوض معارك كبيرة. وأي محاولة لتقييم المعلمين والتخلص من غير المؤهلين ستكون مثيرة للجدل.

أما في قطر التي يقل عدد مدارسها الحكومية عن 200 مدرسة في كل المراحل التعليمية، فإن الدولة التي تتدفق عليها المداخيل النفطية قادرة على التجريب وعلى التغيير الجذري لأسس التعليم.

وفي الكويت، ذات العوائد النفطية الضخمة، اعتمد مجلس الوزراء عام 2003 "إستراتيجية تطوير التعليم 2005 – 2025"، وجرى الحديث عن مبادرات لتطوير التعليم غير مرة، ولكن دون ظهور مؤشرات على السعي إلى مقاربة مشكلات التعليم في عمقها، أو تطبيق تجارب شبيهة بالإمارات وقطر. ويبدو أن الواقع التعليمي في الكويت مثقل أكثر بالمواجهات الأيديولوجية الطابع، وتسيطر عليه قضايا من نوع الاختلاط بين الجنسين، أكثر من الاهتمام بتفاصيله الفنية والسعي إلى تطويره.

وبصورة ما، يبدو أن التاريخ التعليمي الطويل (حالتا الكويت والسعودية) يجعل الميراث البيروقراطي عائقاً أمام إطلاق مبادرات جذرية، كذلك فإن السجال الأيديولوجي يحول دون طرح أفكار يحتاج إليها الواقع التعليمي بشدة.

الدول الأصغر تبدو الأقدر في هذا المجال، ولكن نتيجة التطوير لا تزال رهن الغيب، وليس هناك قدرة على تقييم النجاح الذي حققته تجارب التطوير في قطر أو البحرين أو الإمارات. والحقيقة أن تجربة سابقة في دولة الإمارات قد انتهت إلى غير نتيجة، حيث اندثرت وتلاشت خطة 2020 التي تبنتها وزارة التربية والتعليم منذ عام 1999، ورصدت لها موارد كبيرة. لذلك ينبغي التعامل بحذر مع خطط التطوير، وانتظار النتائج الحقيقية لها.

أمل صقر هي باحثة سياسية مصرية متخصصة في الشأن الخليجي