أحال الرئيس جورج بوش إلى الكونغرس الأميركي في فبراير/شباط مشروع الموازنة للسنة المالية 2009 (أكتوبر/تشرين الأول 2008-سبتمبر/أيلول 2009)، وهو آخر مشروع موازنة يحيله في عهده الذي استمر ثمانية أعوام. وتتميّز هذه الموازنة بزيادة التمويل لبرامج دعم الديمقراطية والحاكمية وحقوق الإنسان – في جهد واضح لتعزيز إرث بوش في السنة الأخيرة من عهده.
طوال ولايتَيه الرئاسيتين، شدّد بوش في خطاباته على أهمية دعم الديمقراطية وحقوق الإنسان في الخارج، ولا سيما في الشرق الأوسط. لكن سياساته لم تتطابق دائماً مع أقواله، وتعرّضت إدارته لانتقادات حادة بسبب تركيزها الشديد على تغيير المنطقة من خلال القوة العسكرية بدلاً من استعمال الأدوات السياسة غير المرتكزة على العنف لدعم الديمقراطية. عند صدور موازنة العام الماضي جاء خفض تمويل برامج الديمقراطية في بلدان الشرق الأوسط مخيباً لظن الكثيرين.
لكن مشروع الموازنة الأخير الذي قدّمه بوش – وخلافاً للمشروع الذي سبقه – يقطع شوطاً بعيداً نحو الوفاء بوعود إعطاء الأولوية لدعم الديمقراطية في الخارج. فالمبالغ المطلوبة لتمويل برامج في العالم العربي، والتي تصنّفها وزارة الخارجية الأميركية تحت عنوان "حكم العدالة والديمقراطية"، تضاعفت ثلاث مرات لتصل إلى 390 مليون دولار بعدما كانت 132 مليون دولار العام الماضي. وفي حين أن الجزء الأكبر من الزيادة (193 مليون دولار) سيُخصَّص لبرامج في العراق، يرفع مشروع الموازنة الجديد من مستوى التمويل للبرامج الخاصة بباقي البلدان العربية بنسبة أكثر من خمسين في المائة. وتتركز هذه الزيادات بشكل أساسي في البرامج الخاصة بموريتانيا والمغرب والضفة الغربية وغزة واليمن والجزائر، وفي المجالات الأربعة التي تشملها البرامج: سيادة القانون وحقوق الإنسان والحاكمية الجيدة والمنافسة السياسية وبناء التوافق والمجتمع المدني.
إلى جانب زيادة التمويل للبرامج الخاصة بالبلدان، تطلب إدارة بوش زيادة بنسبة 75 في المائة في تمويل مبادرة شراكة الشرق الأوسط، من 50 مليون دولار إلى نحو 87 مليون دولار. وتشمل هذه الزيادة 42 مليون دولار لبرامج الحاكمية و16 مليون دولار للتعليم و28.5 مليون دولار للتنمية الاقتصادية. وتركز الزيادة بشكل أساسي على دعم برنامج المنح الصغيرة الذي تستفيد منه منظمات المجتمع الأهلي المحلية في إطار مبادرة شراكة الشرق الأوسط، والبرامج التي تستهدف الشباب في مختلف أنحاء المنطقة. أما سوريا، البلد العربي الوحيد الذي لا يُخصّص له مشروع الموازنة تمويلاً مباشراً، فيشار إليه بأنه محط تركيز خاص من مبادرة شراكة الشرق الأوسط التي تتعهد "العمل على تعزيز المجتمع الأهلي القليل الخبرة والناشطين في مجال الديمقراطية في سوريا".
على الرغم من الزيادات، ما زال هناك ما يدعو للقلق في مشروع الموازنة، و منه خفض التمويل لبرامج الديمقراطية والحاكمية والمجتمع الأهلي في تونس – التي احتفل رئيسها الأوتوقراطي مؤخراً بذكرى مرور عشرين عاماً على وجوده في السلطة والتي تشهد كبحاً متزايداً للحريات. وكذلك خُفِّضت كل طلبات التمويل لبرامج الديمقراطية والحاكمية في لبنان، على الرغم من التهديد الذي تشكّله الأزمة السياسية المستمرة هناك. ولا يزال التمويل العسكري للقادة السلطويين من دون شروط يشكّل الجزء الأكبر من المساعدات التي تُرسَل إلى المنطقة. لكن على الرغم من نقاط الضعف هذه، لا شك في أن الموازنة تتضمن زيادة كبيرة في تمويل مجموعة متنوعة من البرامج الهادفة إلى دعم الديمقراطية.
إذاً لماذا هذه الزيادات الواسعة النطاق؟ بعدما بلغت "أجندة الحرية" التي أطلقها الرئيس بوش ذروتها مع ما يُعرَف ب"ربيع العرب" عام 2005، يسود الآن الاعتقاد بأنها تعثّرت وتراجعت أمام أهداف أخرى للسياسات الأمريكية. ويمكن اعتبار هذه الموازنة محاولة أخيرة لإحياء ما كان يُنظَر إليه من قبل على أنه ركيزة أساسية في سياسة إدارة بوش. علاوة على ذلك، ونظراً إلى أن الإدارة الأميركية لاقت مقاومة متزايدة من حلفائها الأوتوقراطيين، قد تشكّل الموازنة تحولاً متعمّداً نحو دعم الديمقراطية بوسائل أقل صدامية. أخيراً، عبّر مسؤولون في إدارة بوش عن قلقهم من أن تعمد الإدارة المقبلة إلى إلغاء ترويج الديمقراطية؛ ولذلك فإن زيادة التمويل قد تشكّل محاولة لمأسسة البرامج قبل رحيل الإدارة الحالية.
من المهم أيضاً أن نتذكّر أنه ما زال على مشروع الموازنة الجديد أن يقطع شوطاً كبيراً قبل إقراره في الكونغرس الذي يتحكّم بالموازنة الأمريكية. سيناقش الكونغرس في الأشهر القليلة المقبلة تمويل برامج متنوعة للسنة المالية 2009، ويخصّص لها الأموال، فيقرّر إما أن يعتمد الأرقام الواردة في مشروع بوش أو أن يغيرها. وتسري شائعات في أروقة الكونغرس بأن سيطرة الديمقراطيين قد تؤدي إلى إرجاء إقرار مشاريع قوانين المخصصات السنوية للسنة المالية 2009 حتى يناير/كانون الثاني 2009، حيث يصبح بإمكانه رفع مشاريع القوانين إلى الرئيس الجديد لتوقيعها واعتمادها. ومع ذلك، يستطيع المنادون بالديمقراطية في الحزبين أن يجدوا نقاطاً كثيرة يؤيّدونها في مشروع الموازنة الذي يبدو أنه يملك قدرة حقيقية على حشد على الدعم من قبل الجمهوريين والديمقراطيين على السواء.

ستيفن مكينرني مدير الدعم في مشروع الديمقراطية في الشرق الأوسط (POMED)