بعد سنوات من الكلام عن الحاجة إلى تأسيس إطار تنظيمي للفضائيات العربية، اعتمد وزراء الإعلام العرب في 12 فبراير/شباط 2008 ميثاقاً يفسح المجال للحكومات العربية لفرض عقوبات على وسائل البث التي تهاجم القادة العرب أو تعرض محتويات غير مقبولة اجتماعياً. وهذا الميثاق واسع النطاق، حيث يغطي الأخبار والبرامج السياسية والترفيهية وحتى البرامج الرياضية. وكان وزيرا الإعلام السعودي والمصري قد عملا في الأسابيع التي سبقت الاجتماع الطارئ في القاهرة على إقناع نظرائهما بإقرار الوثيقة التي أعدتها لجنة من "الخبراء" في الأشهر الستة التي سبقت الاجتماع. يذكر أنه حتى سوريا التي تخوض الآن حرباً إعلامية مع السعودية في الموضوع اللبناني، وقّعت هذا الميثاق.
في حين بدا إقرار الميثاق مفاجئاً، فإن الزخم نحو التحرّك ضد وسائل الإعلام الفضائية بدأ منذ حرب لبنان في العام 2006. ففي ذلك الوقت، أدان المسئولون المصريون والسعوديون في البداية "مغامرة" حزب الله ثم تراجعوا عن موقفهم في ضوء صمود الحزب وارتفاع أعداد الضحايا المدنيين الذين سقطوا على يد إسرائيل. في هذه الأثناء، تقدّمت قناة "المنار" التلفزيونية التابعة لحزب الله لتصبح ضمن المحطات العشر الأولى على صعيد العالم العربي، وكانت برامج الحوار المباشرة تجد صعوبة في منع المتصلين من إطلاق كلام مهين بحق القادة العرب من حلفاء للولايات المتحدة. وعلى الرغم من أن الحكومة المصرية لم تتعرض لانتقادات لاذعة على الفضائيات بقدر ما تعرضت له الحكومة السعودية، إلا أنه يظل في مأزق التعامل مع جماعة الإخوان المسلمين التي تزداد براعة في التعاطي مع وسائل الإعلام وتُبَث أراؤها عبر محطة "الجزيرة" و"تلفزيون الأقصى" التابع لحركة حماس، وعبر المدونات (بلوغ) الناطقة بالعربية. وهكذا شكّل فرض ضوابط سياسية على الموجات الهوائية العربية مصلحة سعودية-مصرية مشتركة.
يحاول الميثاق أن يستميل مجموعات متنوعة من المؤيدين. فهو يسترضي الإسلاميين ومن بينهم الإخوان المسلمين في مصر عبر فرض عقوبات على المحتويات الذي يُعتبَر بأنها تروّج للحرية الجنسية واستهلاك الكحول، كما يحاول استمالة القوميين العرب عبر الادعاء بأنه يصون "الهوية العربية من التأثيرات السلبية للعولمة". أخيراً، يتضمن الميثاق بنداً شعبوياً ينص على حق المشاهدين العرب في الحصول على المعلومات، بما في ذلك الحق في مشاهدة المباريات الرياضية على قنوات حكومية مجانية حتى في ظل وجود محطات تجارية تملك اتفاقات حصرية. إلى جانب إعادة تأكيد حقوق القنوات التلفزيونية الحكومية، يمنح هذا البند الميثاق بعض الصدقية في الشارع العربي.
يحظر الميثاق بشكل أساسي المحتويات الذي من شأنها أن "تضر بالانسجام الاجتماعي أو الوحدة الوطنية أو النظام العام أو القيم التقليدية" – مماشياً قوانين الإعلام في معظم البلدان العربية، والتي كُتبت كلها تقريباً بلغة مبهمة تفرض عقوبات على انتقاد القادة، وبالتالي ترسّخ الحكم السلطوي، بينما يبرر البند المحذر من تشويه "سمعة البلاد"، مجموعة واسعة من الإجراءات القمعية. يثبّت الميثاق أيضاً الممارسات الحالية حيث منعت عدة دول عربية القنوات الفضائية العربية من بث تقارير من أراضيها.
على الرغم من أن الوثيقة تنسجم مع القوانين والممارسات الحالية، فإن تطبيق بنودها سيختلف على الأرجح من بلد عربي إلى آخر. ففي حين تملك مصر والسعودية "نيلسات" و"عربسات" مما يمكنهما نظرياً فصل القنوات غير المرغوب فيها ومنعها من البث، إلا أن تصرفاً جذرياً كهذا ينطوي على مخاطر سياسية واقتصادية. في نفس الوقت، فإن مصر أغلقت في4 2 فبراير/شباط قناة البركة الاقتصادية مبررة ذلك بنيتها القيام بتفعيل الميثاق. من ناحية أخرى رفضت قطر التوقيع على الميثاق معتبرة أن هناك تعارضاً محتملاً مع قوانينها، بينما وصفت وزارة الإعلام اللبنانية الميثاق بأنه وثيقة "موجِّهة وغير ملزمة". من جهتها تحتج نقابات الصحافيين على الميثاق بشدة ويعرب الكثير من الكتّاب عن شكوكهم بأن الميثاق يهدف إلى إسكات الانتقادات للسياسات الأميركية ودفع الدول العربية نحو الانضمام أكثر فأكثر إلي المحور الأميركي-الإسرائيلي الهادف إلى التصدي لصعود إيران كقوة إقليمية. وقد رد مدير وزارة الإعلام السعودية عبدالله الجاسر على هذه الاتهامات قائلاً إن الميثاق "يميّز بين التحريض على العنف ومقاومة الاحتلال". يتساءل الصحافيون أيضاً ما إذا كان الميثاق سيُطبَّق على الفضائيات الأجنبية الناطقة باللغة العربية مثل قناة "الحرة" الأميركية، وقناة "روسيا اليوم" التابعة للكرملين، ومحطة "العالم" الإيرانية. كذلك يرجح أن تقوم المحطات التجارية بمقاضاة الحكومات بتهمة التعدي على الاتفاقات الحصرية التي وقعتها هذه المحطات لبث الأحداث الرياضية.
لا يبدو واضحاً بعد ما إذا كان الميثاق مجرد بادرة رمزية أم أنه سوف يشكّل خطوة ملموسة نحو سياسة إعلامية عربية قمعية. وفي حين أن وجود إطار تنظيمي ليس سيئاً بحد ذاته، وخاصة في ظل وجود أكثر من أربعمائة قناة تروّج لقارئي الحظ والطب البديل والأفكار الجهادية والأجساد المثيرة للشهوات والاستثمار في الأسهم إلى جانب البرامج العادية مثل الأخبار والبرامج الترفيهية، إلا أن سجل الحكومات العربية في الموازنة بين منع ما هو مضر وحماية حرية التعبير رديء جداً.
مع تزايد التضييق على حرية التعبير واعتقال أعداد متزايدة من أصحاب المدونات "بلوغ" في مصر والسعودية وأماكن أخرى، يبرز الاحتمال المقلق بأن يجري اعتماد مواثيق شاملة مماثلة بهدف تنظيم الإنترنت والهواتف الخلوية في العالم العربي. قال الممثل الكوميدي السوري دريد لحام ساخراً ذات مرة إن "المسئولين العرب الوحيدين الذين يستطيعون التوصل إلى اتفاق هم وزراء الداخلية"، الذين يتبادلون المعلومات بهدف مضايقة وقمع المعارضين، إضافة إلى الإرهابيين، في بلدانهم. يشعر الصحافيون والمثقفون والمعارضون بقلق بالغ الآن حيث أنه على الرغم من أن الأنظمة العربية تختلف حول مسائل كثيرة، يجد وزاء الإعلام العرب أرضية مشتركة لخنق حرية التعبير.

مروان كريدي هو خبير في الإعلام العربي وأستاذ مساعد في كلية أننبرغ لوسائل الاتصال في جامعة بنسلفانيا.