مع تسارع الاستعدادات، تزداد احتمالات انعقاد المؤتمر العام السادس لحركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) خلال السنة الجارية. لكن نظراً إلى التفكك العميق الذي تعاني منه الحركة، قد يأتي المؤتمر متأخراً جداً ودون التطلعات. ببساطة يمكن القول أن بقاء فتح هو الآن في الميزان.
تغيّر الكثير منذ عقدت فتح مؤتمرها العام الخامس عام 1989. فقد رحل زعيم الحركة، ياسر عرفات، مع ثلث أعضاء اللجنة المركزية في فتح المؤلفة من 21 عضواً، ولم يجرِ استبدال أي منهم لأن صلاحية تعيين بدائل منوطة بالمؤتمر العام. كما أن الأعضاء الذين لا يزالون على قيد الحياة – مع أنهم ينتمون إلى مجتمع يبلغ متوسط العمر فيه أقل من ثلاثين عاماً – تجاوزوا الخامسة والستين من العمر، وبعض منهم تخطى الخامسة والستين بأشواط، ومنهم من أقعده المرض.
علاوة على ذلك، انقسمت "فتح" في الأعوام الأخيرة ليس إلى معسكرين أو ثلاثة معسكرات متخاصمة بل إلى مراكز قوى متعددة ومتنافسة. تتألف مراكز القوى هذه (المرتبطة في شكل عام بقادة أفراد يقيمون تحالفات تتبدّل باستمرار) من شبكات ترتكز على المحسوبيات أو التاريخ المشترك أو الجغرافيا أو الدعم الأجنبي أو الأيديولوجيا أو السياسة أو أي من هذه الأمور معاً.
وفي الوقت نفسه، تبذل فتح جهوداً لمواجهة التحدي الأخطر الذي تتعرّض له سيطرتها داخل الحركة الوطنية الفلسطينية، والمتمثل بحركة المقاومة الإسلامية (حماس)، ويعود هذا التحدي في الجزء الأكبر منه إلى فشل فتح الاستراتيجي في وضع حداً للاحتلال الإسرائيلي على أساس حل الدولتين من خلال التفاوض، وكذلك سجلها في الحكم منذ إنشاء السلطة الفلسطينية عام 1994.
تتولى الاستعدادات للمؤتمر العام "دائرة التعبئة والتنظيم" في فتح التي يرأسها حالياً عضو اللجنة المركزية في فتح أحمد قريع (أبو علاء، الذي حل مكان عضو اللجنة هاني الحسن عام 2007. وقد أنشأت الدائرة قاعدة بيانات حول المنتمين إلى فتح في الأراضي المحتلة، وأشرفت على سلسلة من الانتخابات المحلية وعلى صعيد الأقاليم في مختلف أنحاء الضفة الغربية لاختيار المندوبين الذين سيشاركون في المؤتمر. وفي حين تمت هذه العملية المعقدة بسلاسة مفاجئة، فهي ليست سوى أحد التحديات الكثيرة التي ينبغي على فتح تجاوزها في الطريق نحو المؤتمر العام.
يكمن التحدي الأول في معايير اختيار المندوبين. فالمندوبون المنتخبون الذين يختارهم أعضاء فتح في الأراضي المحتلة والجاليات المتعددة في المنفى في الانتخابات المحلية لا يشكّلون سوى جزء من المؤتمر. ويشارك عدد كبير من المندوبين الآخرين مثل أعضاء اللجنة المركزية والمجلس الثوري في حركة فتح بحكم منصبهم، كما اقترح البعض أن ينضم إليهم المسؤولون الحاليون (والسابقون) بما في ذلك أعضاء المجلس التشريعي الفلسطيني المنتخبون ورؤساء البلديات ووزراء السلطة الفلسطينية. وتُخصَّص حصة إضافية تتراوح بين 35 و51 في المائة من المندوبين، للكوادر العسكرية في فتح، بحسب ما ينص عليه النظام الأساسي للحركة. من دون تحديد سقف لعدد المندوبين في المؤتمر العام، يمكن أن يغص الاجتماع بسهولة بمندوبين من اختيار القيادة الحالية. والنقطة الأهم هي أن المؤتمر العام وحده مخوّل تغيير المعايير التمثيلية في حين أن هذه التغييرات أساسية لنجاح المؤتمر في ذاته.
يتعلق التحدي الثاني بشكل المؤتمر. فمن المستبعد أن يتمكن مندوبو فتح، ولا سيما أولئك القادمون من قطاع غزة ولبنان وسوريا، من الاجتماع في رام الله. ولذلك اقترح البعض تنظيم ثلاثة أحداث منفصلة – في غزة ورام الله ودولة عربية – تُربَط بواسطة الأقمار الاصطناعية، أو تنظيمها الواحد تلو الآخر، بينما رد آخرون بأن هذا الأمر محفوف بالمخاطر سياسياً، واقترحوا بدلاً من ذلك تنظيم حدث واحد في العريش في سيناء المصرية أو على الساحل الأردني للبحر الميت.
ويكمن التحدي الثالث في البرنامج السياسي للحركة. لقد توصّل عدد متزايد من قادة فتح وأعضائها، إلى الاستنتاج بأنه يتعيّن على الحركة أن تحدّد هويتها وأهدافها الاستراتيجية بوضوح، ليس فقط من أجل مواجهة التحدي الذي تشكّله حماس إنما أيضاً من أجل إرساء أسس التماسك والانضباط التنظيميَّين. غير أن القيام بذلك سيعجّل في شكل شبه مؤكد من انشقاق المستائين عن الحركة، وقد يسبب انقساماً داخل فتح.
أخيراً ثمة شعور على نطاق واسع بأنه سوف يتعذر على حركة فتح أن تعقد مؤتمراً عاماً في وضعها الحالي الضعيف. لكنها تحتاج إلى إنجاز حقيقي ما – مثل تقدّم ملموس في المفاوضات مع إسرائيل أو على الأقل إحياء الأمل بالتوصل إلى اتفاق وشيك. غير أن هذا مستبعد بشكل كبير في أفضل الأحوال. وقد أعرب عضو بارز في المجلس الثوري في حركة فتح عن قلقه من أن الرئيس محمود عباس "يدفع باتجاه إنجاز سريع كما فعل في انتخابات 2006؛ على المستوى الرسمي يبدو وكأنه نجاح لكن الأمر ينطوي على مجازفة قد تؤدي إلى عواقب سلبية جداً".
في نهاية المطاف، يكمن التحدي المطروح على المؤتمر العام السادس في التأكد من توصل القوى الأساسية مسبقاً إلى قرار وإجماع حول نتيجة ناجحة تنبثق عن الاجتماع – بما في ذلك في ما يتعلق بالهيكلية القيادية الجديدة. غير أن الصيغ المطلوبة للقيام بذلك ليست متوافرة حالياً ويجب عقد مؤتمر عام لإنشائها. ومن هذا المنطلق، يقترح بعض قادة الحركة عقد مؤتمر إنتقالي – غير دستوري باعترافهم – يسعى إلى التحايل على النظام الأساسي بما يتيح عقد اجتماع ذي مغزى.
إن الرهانات عالية جداً. إذا ما فشلت فتح في عقد المؤتمر العام سنة 2008 – وفي السياق نفسه في إجراء الإصلاحات الضرورية في القيادة ووضع برنامج وطني ذي معنى – فقد يُقضى عليها كحركة. على الرغم من صعود حماس، تبقى فتح العمود الفقري للحركة الوطنية الفلسطينية، ولن يؤدي دمارها سوى إلى مزيد من الشلل الفلسطيني.

معين رباني هو محلل مستقل متخصص في شؤون الشرق الأوسط، يقطن حاليا في عمان، الأردن.