تمثل المصالحة الوطنية أولوية قصوى بالنسبة إلى جميع المعنيين بمساعدة العراق على السير باتجاه الاستقرار الاقتصادي والسياسي. لكن ماذا تعني المصالحة بالضبط في السياق العراقي؟ منذ نهاية الحرب، برزت عدة قضايا مختلفة ومتضاربة أحياناً تقتضي حواراً عميقاً بين كل فئات الشعب العراقي. الأولى هي تحقيق العدالة بالنسبة للجرائم التي ارتكبها النظام البعثي، والتي لم يجرِ إحقاقها في شكل كامل بعد على الرغم من محاكمة صدام وإعدامه اللذين حظيا بالكثير من الترويج الإعلامي، حيث يجب إرساء توازن بين تقديم العدالة الحقيقية للضحايا والعمل على تحقيق الاستقرار في مرحلة ما بعد الحرب.
كشف مشهد ما بعد الحرب النقاب عن ثلاثة فئات عراقية ذات رؤى مختلفة على ما يبدو حول مستقبلها ومستقبل بلادها. فقد صمم الأكراد الذين لم ينسوا سنوات الاضطهاد الطويلة التي تعرضوا لها على تثبيت استقلالهم الذاتي، كما يتطلعون إلى الاستقلال الكامل. وسعى الشيعة الذين عانوا من التهميش والقمع من قبل، إلى تثبيت وضعهم كغالبية ومنع العودة إلى حكم الأقلية. أما السنة الذين يرفضون إلى حد كبير العراق الجديد، فقد راقبوا الأوضاع بخوف وخشية من انتقام على يد الشيعة والأكراد قد يؤدي إلى انقسام البلاد. يضاف إلى هذا كله تشنجات كانت في حال سبات في السابق، بين القبلي والمدني، وبين الديني والعلماني، وبين الأغنياء والفقراء، وبين المجموعات العرقية المختلفة.
يتبين بالنظر إلى هذه الصورة المعقدة أن إطلاق مبادرة للمصالحة الوطنية في خضم حالة التمرد الداخلي والعنف مذهبي المتفاقم لم يكن سهلاً على الإطلاق. حاول مشروع المصالحة الوطنية الذي أطلقه رئيس الوزراء المالكي في يونيو/حزيران 2006، أن يعالج مسائل مثل قانون اجتثاث البعث ونزع سلاح الميليشيات وإصلاح المؤسسات العامة. وكانت خطة النقاط الأربع والعشرين صائبة في معالجة قضايا تعني كل مستويات المجتمع العراقي من النخبة السياسية إلى القاعدة الشعبية من أجل التوصل إلى مصالحة وطنية حقيقية.
لكن خلال عامين، لا يزال التقدم متقطع ومفكك حتى بعد تحسن الوضع الأمني. وقد وقعت حكومة الوحدة الوطنية التي أنشئت بهدف ضم كل الفصائل تحت جناحَيها ضحية انسحابات من قبل أحزاب متعددة، بحيث لم يبقَ سوى الائتلاف العراقي الموحد وأحزاب كردية. غير أن مجلس النواب العراقي، وعلى الرغم من الخلافات والحضور الضئيل للنواب في الجلسات، استطاع أن يقرّ تشريعات مهمة سوف تساهم في دفع عملية المصالحة الوطنية قدماً، ولا سيما في مجال اجتثاث البعث وقانون الموازنة الفدرالية وقانون إدارة الانتخابات في المحافظات. ومع أن تعذر التوافق حول إقرار قانون المحافظات مؤخراً يمثل تراجعاً بالطبع، إلا أن ذلك لا يغير من حقيقة أن النقاشات لا تزال تجري في البرلمان الذي يمثل الطريق الأساسي لتحقيق المصالحة الوطنية في العراق.
في حين تبدو العملية السياسية في بغداد بطيئة بطريقة محبطة، تم تحقيق تقدم مقبول في مجال المصالحة وسط النخب السياسية. غير أن هذه المقاربة الموجهة من الأعلى إلى الأسفل فشلت في إطلاق المصالحة على مستوى القواعد الشعبية، حيث يشعر العراقيون العاديون الذين يواجهون المشقات اليومية أنهم بعيدون عن النخب السياسية في المنطقة الخضراء. ولا تزال الوزارات والهيئات الحكومية تعمل إلى حد كبير كما كانت تعمل خلال النظام السابق، مع انتشار شبكات من المحسوبيات تتوزع الآن بحسب الانتماءات العرقية بعدما كانت تتمركز في السابق حول الانتماء إلى حزب البعث. ويؤدّي التحيز المذهبي الذي تظهره الشرطة والجيش في أحيان كثيرة إلى تقويض الثقة العامة أكثر فأكثر.
شكل تغير التركيبة السكانية للمناطق التي كانت مختلطة في السابق في بغداد وحولها الانهيار الأكثر وضوحاً في العلاقات بين مختلف فئات الشعب العراقي. فعلى الرغم من الانحسار الكبير للعنف، يتردد الناس في العودة إلى منازلهم خشية أن يجدوها محتلة، ويحاذرون من اللجوء إلى السلطات القائمة على أسس مذهبية. إضافة لذلك فإن وضع اللاجئين مقلق إلى حد كبير حيث ينمّي الشعور بالاستياء الذي يزيد من صعوبة تحقيق المصالحة الوطنية.
ساهم قرار القبائل في وسط العراق بالوقوف في وجه تنظيم القاعدة والعمل مع القوات الأميركية في تحسين الأوضاع الأمنية إلى حد كبير. غير أن هذه الميليشيات المسلحة تبدي قدراً أقل من التعاون مع الجيش والحكومة العراقيَّين، مما يثير المخاوف حول مستقبلها في إطار الدولة العراقية. و على الرغم من أن وقف إطلاق النار الذي أعلنه مقتدى الصدر سمح للقوات العراقية والأميركية بأن تستهدف العناصر المارقة في جيش المهدي، إلا أن مسألة جيش المهدي وكذلك الميليشيات الأخرى تبقى من دون حل – وخير دليل على ذلك الارتياح الذي أبداه الجميع بعد قرار الصدر الأخير تمديد وقف إطلاق النار.
سيكون للقضاء دور محوري في معالجة التحديات الكبرى التي تواجه المصالحة الوطنية والمستترة خلف واجهة الاتفاقيات السياسية في بغداد. إن قضاءً قوياً ومستقلاً ويتمتع بإطار قانوني وافٍ وشركاء يلتزمون بتطبيق القوانين من شأنه أن يعالج بالصورة الأمثل مصادر التوتر المذهبي والعرقي في المؤسسات العامة والخلافات حول الممتلكات وحل الميليشيات.

علي لطيف هو باحث في معهد بغداد للسياسة العامة.