خلق إطلاق سراح الست ممرضات الأجانب في يوليو/تموز2007، بعدما وضعت الوساطة الأوروبية والفرنسية حداً لمحنة دامت ثمانية أعوام، أجواءً من الارتياح في مختلف أنحاء أوروبا. وفي بروكسل، باشر الاتحاد الأوروبي على الفور بالدفع باتجاه إقامة علاقات رسمية مع ليبيا والتي هي عضو مراقِب في الشراكة الأورومتوسطية (عملية برشلونة) منذ عام 1999، كما أن بروكسل أعلنت منذ البداية أن هدفها على المدى الطويل هو أن تصبح ليبيا عضواً كاملاً – لا سيما كي تحصل أوربا على التعاون الكامل من ليبيا في مجال السيطرة على تدفق المهاجرين الأفارقة الذين يمرون بالأراضي الليبية لعبور المتوسط. وفي 23 يوليو/تموز 2007، وقعت كل من ليبيا والاتحاد الأوروبي مذكّرة تفاهم أتبعتها المفوّضية الأوروبية بمسوّدة اتفاقية إطارية للتفاوض.
لكن وعلى الرغم من التفاؤل والتقدم الذي تم انجازه مؤخراً، سيكون مسار العلاقات بين الاتحاد الأوروبي وليبيا مليئاً بالمطبّات، فقد صدرت تصريحات متناقضة للرئيس الليبي معمر القذافي الذي وصف في بعض الأحيان عملية برشلونة بأنها "غزو سلمي جديد" للأراضي العربية. إن التردد الليبي مرتبط بعدة عوامل. أولاً، إن عودة ليبيا إلى المجتمع الدولي ووضعها كعضو مراقب يسمحان لها بأن تحصد المنافع السياسية والاقتصادية من دون أن تُضطر إلى تنفيذ متطلبات برشلونة – لا سيما القيام بإصلاحات سياسية وتحرير الاقتصاد – التي تطرح إشكاليات بالنسبة إلى الدولة السلطوية ونخبها المتنفذة. كما أن ليبيا تفضّل التعامل مع كل دولة أوروبية على حدة، أو في إطار منتديات أصغر حجماً مثل مجموعة الحوار "5 زائد 5" (والتي تضم ليبيا وفرنسا وأسبانيا وإيطاليا والبرتغال ومالطا والمغرب والجزائر وتونس وموريتانيا) حيث تملك صوتاً أقوى. أخيراً، وإن كانت هذه النقطة أقل أهمية، من شأن طبيعة عملية برشلونة متعددة الأطراف أن تفرض على ليبيا المشاركة في منتديات جنباً إلى جنب مع إسرائيل.
من المحتمل أن تتجاوز ليبيا عملية برشلونة وتنضم إلى خليفتها "سياسة الجوار الأوروبي" مباشرة في اتفاق يفصل على مقاسها. تركز سياسة الجوار الأوروبي بشكل أكبر على العلاقات الثنائية وتقدم خطط عمل أكثر تحديداً بعض الشيء. وقد تكون هذه المقاربة مفيدة بالنسبة لليبيا نظراً لأن المكاسب الاقتصادية لليبيا من وراء علاقاتها مع الإتحاد الأوروبي أقل مقارنة بدول مثل المغرب. فعلى سبيل المثال، تختص مذكرة التفاهم التي جرى التوصّل إليها في يوليو/تموز2007، بالمساعدات في المجال التقني والتنقيب عن الآثار باعتبارها تمثل أولويات ليبية.
يرغب الاتحاد الأوروبي في استقطاب ليبيا إلى عملية برشلونة وسياسة الجوار الأوروبية التي خلفتها لأسباب ترتبط في جزء منها بمبدأ الثبات في التعامل. فإذا لم تنضم ليبيا، سيُتَّهم الاتحاد الأوروبي بالازدواجية لأنه يعاقب الدول الأعضاء العربية على السلوك السلطوي بينما يترك ليبيا وشأنها، وستكون النتيجة فقدان بروكسل لصدقيتها والسلطة التي تعتبر أنها تملكها في المنطقة.
يبدي المسؤولون الأوروبيون قلقهم من عدم إدراك الليبيين لما يترتّب عن العلاقات مع الاتحاد الأوروبي، مشيرين إلى أن التواصل بين بروكسل وطرابلس الغرب ضعيف. يقول ديبلوماسي بريطاني سابق رفيع المستوى "ليبيا... ليست واثقة بعد ماذا تريد من الاتحاد الأوروبي". يبدو القذافي وكأنه لا يعرف تماماً معنى الاتفاقات القائمة، فخلال قمة الاتحاد الأوروبي وأفريقيا حول الهجرة والتنمية عام 2006، خلط مراراً وتكراراً بينهما، فسمّى الشراكة الأورومتوسطية "الشراكة المتوسطية أو ما شابه"، واعتبرها مختلفة كلياً عن عملية برشلونة.
إذا أراد الاتحاد الأوروبي أن يجذب ليبيا إلى المشاركة الكاملة في عمليات برشلونة أو سياسة الجوار الأوروبية، يتعيّن عليه أن يوضح، لا سيما لمستشاري القذافي التكنوقراط، المكاسب التي يمكن أن تجنيها ليبيا من العلاقة الرسمية. وفي حين أنه ليست هناك في شكل عام معلومات وافية عن البلاد، من الواضح أن ليبيا تطمح إلى التنوّع الاقتصادي وتأمين وظائف لشبابها. إلى جانب التدريب التقني الوارد في مذكرة التفاهم، على الاتحاد الأوروبي أن يقدم لليبيا التدريب التقني والمهني وكذلك المساعدات في مجال تطوير القطاع المصرفي والقضاء والإطار التنظيمي من أجل تأمين بيئة أكثر ملاءمة للمستثمرين، مع عدم إغفال أن ليبيا تشتري في الوقت الحالي هذه الخدمات من شركات دولية ومن المحتمل أن تستمر بذلك للحفاظ على استقلاليتها عن الاتحاد الأوروبي.
حفاظاً على شرعيته، لا يستطيع الاتحاد الأوروبي أن يتجاهل أوضاع حقوق الإنسان، ولو لم يكن الليبيون يحبون أن يسمعوا عن الأمر. بالتأكيد لن تقبل ليبيا توقيع اتفاق مع الاتحاد الأوروبي يبدو وكأنه يروّج لتغيير شامل. لذلك ينبغي على الاتحاد الأوروبي أن يضغط من أجل إدخال تحسينات في مسائل محدّدة مثل إصلاح القانون الجزائي والحد من سلطات اللجان الثورية ومحكمة استئناف أمن الدولة، وتحقيق التقدم في مجال التدقيق في مزاعم التعذيب. يجب أن تشجّع بروكسل على بروز مجتمع مدني بينما تُطَمئِن طرابلس بأنها تقبل باحتفاظ السلطة ببعض صلاحيات الإشراف والمراقبة. من شأن هذه الإستراتيجية أن تساعد على إرساء أسس التغيير الراسخ في مرحلة لاحقة.
في نهاية المطاف، ومن دون وضع جزرة العضوية الكاملة في الاتحاد الأوروبي على الطاولة كما يحصل مع تركيا، قد لا يكون لليبيا الغنية بالموارد النفطية حافز قوي لتنفيذ كافة المتطلبات الضرورية من أجل بناء علاقات رسمية مع الاتحاد الأوروبي. وحتى لو انضمّت ليبيا إلى سياسة الجوار الأوروبية بموجب اتفاق على مقاسها، يجب أن يتنبّه صانعو السياسات الأوروبيون مسبقاً إلى أنه من المستبعد – على الأقل في ظل القيادة الحالية – أن تكون ليبيا شريكاً متعاوناً بكل معنى الكلمة.

دانا موس باحثة في معهد عبر الأطلسي في بروكسل.