هناك مؤشرات بأن المصريين يتحدّون الجمود السياسي الذي يحكم قبضته على البلاد منذ وقت طويل جداً. يعترض آلاف العمّال على تدنّي الأجور واحتمال تسريحهم من العمل؛ ويشنّ الإخوان المسلمون حملات على الرغم من قمع الحكومة لهم؛ ويتظاهر الطلاب الجامعيون في شكل شبه منتظم؛ وحتى عمال دائرة الضريبة على الأملاك يخيّمون في الهواء الطلق مع عائلاتهم احتجاجاً على الأجور الضئيلة. إذاً أين هي حركة النساء المصريات التي كانت تُعتبَر تاريخياً أماً لكل الحركات النسائية في العالم العربي؟
ليس السبب وراء عدم وجود حركة نسائية موحّدة وظاهرة للعيان في مصر، غياب الحاجة إليها أو حتى غياب الإنجازات. فقد سُجِّل تقدّم في حقوق المرأة القانونية في الأعوام الأخيرة. حصلت المرأة على حق الخُلع (أي القدرة على طلب الطلاق شرط التخلي عن بعض حقوقها المادية) ومنح الجنسية لأولادها (حتى ولو لم يكن الوالد مصرياً)، وحدّت المحاكم العائلية من الإجراءات البيروقراطية التي كانت تجعل من الحصول على الحقوق كابوساً في الماضي. وعام 2003، تم تعيين تهاني الجبالي نائبة لرئيس المحكمة الدستورية العليا، فكانت أول امرأة قاضية في مصر، وعام 2007 تم تعيين ثلاثين قاضية في محاكم إدارية عدّة، مما سمح لهن بأن ينظرن لأول مرة في قضايا مدنية وجنائية.
لكن في الوقت نفسه، تحجب مجموعة كبيرة من العوائق الاقتصادية والدينية والسياسية التقدّم الذي تحقّق على الصعيد القانوني. ففي بلد يعيش فيه أكثر من أربعين في المئة من السكان بأقل من دولارَين في اليوم (بحسب البنك الدولي)، لا تُتاح سوى فرص عمل محدودة للنساء اللواتي قامت عائلاتهن بتضحيات مادية كي يكملن تعليمهن الثانوي أو الجامعي، مما يدفع بالعديد من العائلات الفقيرة الآن إلى إعادة النظر في منافع إرسال بناتها إلى المدرسة. وللمحافظية الدينية المتزايدة تأثيرها أيضاً. ففي حين أتاح الدور المتنامي للدين بعض المجالات أمام المرأة كي تشارك في نشاطات في المساجد وفي أعمال خيرية، أدّى أيضاً، وأكثر من أي وقت مضى، إلى تعزيز دور المرأة التقليدي كزوجة وأم لدى النساء المسلمات والقبطيات على حد سواء. وكان عدد النساء اللواتي انتُخِبن في المجلس النيابي عام 2005 أقل منه في العقود السابقة، وشكّلت استقالة النائبة الناشطة في الحركة النسائية، شاهيناز النجار، من المجلس مؤخراً بعد عقد قرانها على رجل أعمال ثري، ضربة أخرى لمن ناضلن من أجل اضطلاع المرأة بدور أكبر في المجال السياسي.
لا يعني هذا أن النساء المصريات انسحبن كلياً من العمل النضالي. فقد كانت النساء العاملات أول من أضربن؛ وكانت الطالبات ناشطات وجريئات بقدر زملائهن الطلاب؛ وشكّلت النساء جزءاً كبيراً من عمّال دائرة الضريبة على الأملاك المشاركين في الاعتصام؛ وحتى النساء البدويات في سيناء تظاهرن للمطالبة بالإفراج عن أفراد عائلاتهن الذين سُجنوا بعد التفجيرات الإرهابية عام 2004. لكن النساء المصريات أقل نشاطاً في القضايا ذات الطابع النسوي. فقد استقطبت تظاهرة احتجاج ضد التحرش الجنسي عام 2006، بعد التحرش بمجموعة كبيرة من النساء خلال عيد الأضحى في وسط القاهرة (التُقِطت بعض الحوادث على الكاميرا)، عدداً متواضعاً من الرجال والنساء، لكن ذلك كان الاستثناء وليس القاعدة.
ربما تشمل الأسباب الاجتماعية لتراجع الوعي النسائي في مصر، اللامبالاة السياسية العامة والسيطرة المتزايدة للمعايير الدينية. لكن هناك أيضاً أسباب مباشرة، فقد أدّى ظهور الحركة النسائية التابعة للدولة، والتي تجلّت في سلسلة من المؤسسات شبه الحكومية مثل المجلس القومي للمرأة (مكاتبه هي جزء من مكاتب الحزب الوطني الديمقراطي الحاكم)، دوراً في هذا الإطار. لقد استوعب المجلس القومي ناشطات كنّ مستقلات في السابق، وهو ينصّب نفسه الممثل الأوحد للنساء المصريات ويعتمد مقاربة غير سياسية بالأساس حيال انتهاكات حقوق المرأة المثيرة للجدل – على سبيل المثال عدم تطبيق القوانين بحق الأطباء الذين يجرون ختاناً للفتيات – لا سيما في الحالات التي تكون الحكومة فيها متواطئة أو مرتكِبة. عامل آخر يقف وراء تهميش النضال النسائي هو سيطرة المنظمات غير الحكومية على الحركة النسائية في التسعينيات. فكما بيّن الباحث إصلاح جاد، أدّى انتشار المنظمات النسائية غير الحكومية التي تعتمد على التمويل الأجنبي إلى إضعاف الرابط بين هذه المنظمات واحتياجات القواعد الشعبية العامة. يعني ذلك أن كل المنظمات النسائية غير الحكومية تتحرّك بحسب إرادة المانحين، لكنها تتأثّر في الإجمال بأهواء المانحين الأجانب وتقلّباتهم. وفي مختلف الأحوال، لا يعني العدد المتزايد من المنظمات النسائية غير الحكومية أن هناك حركة نسائية مزدهرة.
هناك ثغرة أيضاً بين الجيل القديم من المناضلات النسائيات وبين الشابات في مصر كما في أي مكان آخر. لقد قاومت الأحزاب السياسية والمنظمات النسائية غير الحكومية ترقية الشابات إلى مناصب قيادية، مما دفع ببعضهنّ إلى البحث عن وسائل بديلة للنضال النسائي. فمن خلال المدونات على الانترنت (البلوغ) مثلاً، تحارب الشابات الأعراف والأفكار الاجتماعية التي تحول دون تمتع المرأة بحقوقها، ويشكّكن في التفسيرات الأبوية والمحدودة الأفق لحق المرأة في تسلّم السلطات على مختلف المستويات، سواء كان ذلك في الحكومة أم في حركة الإخوان المسلمين المعارضة أم في الكنيسة الأرثوذكسية القبطية.
إلا أن السؤال الملح الآن هو حول قابلية اندماج الأشكال المتعددة للنضال النسائي في نهاية المطاف في حركة واحدة. لا شك في أنّ التنوّع صحّي، لكن من دون شيء من الوحدة، ستبقى جهود الناشطات النسائيات مشتّتة وبالتالي غير قادرة على إحداث تغيير.

ماريز تادروس هي أستاذة مساعدة في العلوم السياسية في الجامعة الأميركية في القاهرة.