كان اعتقال رياض سيف في الثامن والعشرين من يناير/كانون الأول آخر تطورات حملة الاعتقالات الأخيرة التي طالت أعضاء المجلس الوطني لإعلان دمشق، والتي بدأتها السلطات السورية أسبوعاً واحداً فقط بعد لقاء الرئيس جورج بوش مع مأمون الحمصي وجنكيزخان حاسو وعمار عبد الحميد في البيت الأبيض في الرابع من يناير/كانون الأول الماضي.
ورغم بيانات الاستنكار الصادرة عن البيت الأبيض حينها، لم ينقل القائم بالأعمال الأميركي في سوريا أية رسالة رسمية أو شفوية مباشرة إلى المسؤول السوري الوحيد الذي يجتمع به وهو نائب وزير الخارجية فيصل المقداد، ويعود هذا الأمر الى نظرة الإدارة الأميركية إلى المعارضة السورية من زاوية حقوق الإنسان وليس على أنها قضية تحمل في طياتها افقآ سياسيا لإحداث تغيير نوعي أو رمزي في دمشق.
وتمنت واشنطن على المعارضة في مرحلة ما توحيد صفوفها لكنها حافظت على مسافة منها ولم تبادر بطلب الاجتماع معها وتفادت حضور مؤتمراتها أو حضرت بمستوى منخفض بصفة مراقب، واقتصرت مداولات الاجتماعات مع ممثلين عن جبهة الخلاص الوطني والمجلس الوطني السوري وأحزاب كردية وحزب الإصلاح على المبادئ والعموميات ضمن مبادرة الشراكة في الشرق الأوسط في الخارجية الأميركية، وبسبب الابتعاد الجغرافي لهذه المعارضة عن سوريا تحرص السفارة الأميركية في دمشق على الاجتماع مع معارضة الداخل، لاسيما رياض سيف، لتسمع وجهة نظرها أيضا.
وتتحفظ مصادر في الإدارة الأميركية على الاجتماع مع نائب الرئيس السوري الأسبق عبد الحليم خدام نظرا لتاريخه في الحكم، فيما يقول نائب مساعد وزيرة الخارجية لشؤون الشرق الأدنى الأسبق سكوت كاربنتر الذي كان يشرف على الاجتماعات مع المعارضة السورية أن البيت الأبيض لم يعط الضوء الأخضر بعد لعقد أي اجتماع مع الإخوان المسلمين في سوريا لتفادي إعطائها شرعية المشروع البديل، ولا يبدو من أدبيات الجماعة أنها جاهزة لهذا التقارب، على الأقل علنا.
ويعتمد تماسك جبهة الخلاص على حاجة الإخوان المسلمين لخدام وعلاقاته العربية والدولية، وقد يصبح هذا التحالف عبئا على الإخوان يوما ما، ومجرد قراءة إعلان الجبهة من اللقاء التشاوري في بروكسل إلى المؤتمر التأسيسي في لندن يكفي لملاحظة تصاعد نفوذ الإخوان في أدبيات الجبهة ومسارها.
وأخطأت المعارضة السورية في مرحلة ما لاسيما جبهة الخلاص بحساباتها واعتبرت تقارب الإدارة الأميركية مع بعض أقطاب المعارضة بداية لمسار تغيير النظام وان حتمية المحكمة الدولية في اغتيال رفيق الحريري ستمهد هذه الأرضية، وعملت حينها على ربط قضيتها بتطور الأزمة اللبنانية بينما لم تربط واشنطن مصير المعارضة السورية بالملفات الإقليمية.
وعكست انتخابات وبيانات المجلس الوطني لإعلان دمشق في يناير/كانون الأول الماضي صعوبة المرحلة التي تواجهها المعارضة، وكانت فرصة لتعزيز تيار المستقلين واليسار المتجدد والليبراليين ونشطاء المجتمع المدني وأنصار عدم جدوى الحوار مع السلطة وتراجع لنفوذ الأفراد والأحزاب التقليدية، ما يعني أن إعلان دمشق حافظ على حيويته الفكرية على حساب بعده التنظيمي وبقي معارضة نخبوية، صداها الفكري وقاعدتها الشعبية والاجتماعية لا تكفي لإعطاء دفع جدي لإصلاحات سياسية.
وتدور هذه المعارضة بالإجمال في حلقة مفرغة من النقد الذاتي، هي مخترقة استخباراتياً، وتعمل بدون دعم مادي وإعلامي، كما أنها معزولة عربيا لان سوريا في النهاية صورة عن النظام العربي الرسمي بكل تجلياته حتى لو تباينت مصالح هذه الأقطار في زمن سياسي عابر.
وتعيش المعارضة السورية مرحلة انتقالية من مفاهيم وأدوات سياسية إلى أخرى يعبر عنها جيل في الأربعينات والخمسينات من عمره اكتسب زخما من التفاعل الثقافي مع لبنان منذ منتصف التسعينات. وتسعى المعارضة إلى اكتشاف هويتها وتحديد مقاربتها لغايات التغيير من ناحية الديمقراطية والعلاقة مع الغرب والليبرالية، لكن الطوق الأمني على أفكارها وتحركاتها لا يساعد المراقبين على تحديد ماهية توجهاتها ومرونة خيالها السياسي وقدراتها القيادية والتنظيمية، ومدى فعاليتها في طرح مشروع وطني يتجاوز الصورة النمطية في تاريخ سوريا الحديث عن فوضى المساحة المدنية وعدم امتناع العسكر عن التورط في الشأن العام نتيجة لهذا العجز.
أسوأ ما تواجهه معارضة الداخل أنها مكشوفة في أمنها الذاتي وامن عائلتها وفي تصرف الاعتقال في فروع مخابرات امن الدولة بدون أي رادع، لكن مساحة الاعتراض تتسع تدريجيا في سوريا بجهودها ومن الصعب على السلطات استيعاب هذا الأمر، وتبقى رهينة العقاب عندما تقترب من الإخوان المسلمين وحين تتواصل مع جهات خارجية ومتى تترجم بياناتها إلى عمل سياسي لاسيما مع الشباب، وعليها أن تكون مستعدة لدفع ضريبة الاشتباك الدبلوماسي العربي والدولي مع دمشق في المرحلة القادمة.
إشكالية دور هذه الإدارة الأميركية في العالم العربي تقلص ولا تعزز فرص المجتمع المدني وقوى الاعتراض السياسي فيه على بلورة ملامح مشروعها، وهنا النقاش مفتوح على صواب أو خطأ التقدير السياسي في اجتماع البيت الأبيض مع رئيس تقترب ولايته المضطربة من نهايتها وبدون ثمن سياسي. بالمقابل تشعر لمعارضة بالإحباط أمام حكم يفرض نمطا من الممانعة الإقليمية يتناقض مع أولويات الداخل الإصلاحية.
ويتعامل الحكم في سوريا مع كل قضية، داخلية كانت أم إقليمية، على أنها وجودية وتطال مصيره. هو يريد احتكار كل المساحات العامة وحتى الخاصة أحيانا، يريد احتكار التفاعل مع بيروت والحوار مع واشنطن، وفي حين تسعى السفارة السورية في واشنطن إلى استمالة مرشحي المعارضة من الحزب الديمقراطي الأميركي، تُتهم المعارضة السورية ترتكب خيانة وطنية حين تقول للعالم أن في حارات سوريا صوتا آخرا حتى لو كان خافتا ومربكا.

جو معكرون صحافي مقيم في واشنطن