منذ سيطرة حماس على قطاع غزة في 15 يونيو/حزيران 2007 والنظام السياسي في القطاع شبه معطل. وقد عبر رئيس وزراء حماس إسماعيل هنية في خطابه الأخير في 4 نوفمبر/تشرين الثاني عن استيائه من الشلل التام الذي تعانيه السلطات الثلاث (التنفيذية والقضائية والتشريعية) والمؤسسات الحكومية، متهماً حكومة رام الله بالوقوف وراء ذلك ومبرراً اتخاذ حكومة حماس خطوات غير قانونية، وإن لم يستخدم هذا التعبير في خطابه، كبديل. قانونياً تعد حكومة هنية حكومة تسيير أعمال، لكن القانون لا يعطيها صلاحية اتخاذ قرارات مصيرية.
لقد ركزت بدائل حكومة هنية منذ سيطرتها على غزة على الأجهزة الأمنية والقضاء بدلاً من القضايا المدنية والاقتصاد، وهي سياسة جديدة في تاريخ حركة حماس التي ركزت دوماً على العمل الأهلي والاجتماعي والمقاومة. ففيما يتعلق بالسلطة التنفيذية، قامت حكومة هنية (تسيير الأعمال) بجملة من التعيينات دون الحصول على مصادقة من رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس. فكان تعيين مدير الشرطة أول قرار اتخذته حكومة غزة، تلاه تعيين أعضاء حماس وجهازها العسكري كمدراء في المؤسسات الحكومية والأمنية، كما تم توزيع الرتب من عقيد ولواء ومدير دون الرجوع إلى عباس. ولازالت حكومة هنية دائبة في إعادة تشكيل الأجهزة الأمنية، رغم أن قانون الأجهزة الأمنية ينص على أن الرئيس هو القائد الأعلى للقوات المسلحة، وأيضاً في تشكيل مجلس عدل أعلى وإجراء تعيينات وإقالات في المؤسسات الحكومية كافة وفق قناعاتها وبناء على عامل رد الفعل فحسب. فقد فاجأ عباس حماس بقرارات لم تدرسها الحركة قبل اتخاذها لقرار السيطرة الكاملة على القطاع، فأقال حكومة هنية في 14 يونيو/حزيران واصفاً ما قامت به حماس بالانقلاب الدموي، وقام بتعيين حكومة تسيير أعمال يرأسها سلام فياض في رام الله.
يقول أستاذ العلوم السياسية في جامعة الأزهر أيمن شاهين: "كل شيء تغير بشكل جذري في النظام السياسي والمؤسساتي، والسؤال هنا ما هو تعريف الانقلاب؟ لم يعد لأي مؤسسة للسلطة الفلسطينية أي علاقة بالماضي. لم يعد أي من رموز الأجهزة الأمنية موجودون في مواقعهم." لقد حولت حكومة هنية جهاز الأمن الوقائي الذي كانت مهمته الامن الداخلي إلى قوة شرطية، وجهاز المخابرات الذي كانت مهمته الأمن الخارجي أصبحت مهمته الآن الأمن الداخلي. وقد وعد نائب مدير الشرطة والقيادي في كتائب القسام ماهر الرملي أن الأمن الداخلي سوف يتحقق في خلال شهر.
لكن التحدي الكبير الذى تواجهه حكومة هنية هو القضاء الجزائي الذي أصابه الشلل التام حيث يعتمد بشكل شبه كامل على الشرطة والنيابة العامة. فبعد أحداث غزة التزم أفراد الشرطة بقرار عباس بعدم التوجه إلى العمل مقابل مواصلة دفع رواتبهم، يضاف إلى ذلك إحساسهم بالنقمة على حماس لاستيلائها على أسلحتهم وسياراتهم. أما النيابة العامة فقد علقت العمل فى المحاكم بعد أحداث غزة لغياب جهاز الشرطة وعدم اعترافها بشرعية الشرطة التي شكلتها حكومة هنية. فقضايا القتل، الضرب، السرقة، المشاجرة، الاختلاس، التعدي، القضايا التي تتعلق بالحرية الشخصية وقضايا عدة أخرى لم تعالج حتى اللحظة، الأمر الذي دفع بحكومة هنية إلى تعيين ثمانية وكلاء نيابة وعشرين وكيلاً مساعداً واستبدال النائب العام. أما الخطوة الأخرى، والتي بررها هنية في خطابه الأخير، فكانت تعيين سبعة قضاة لتشكل بذلك حكومته مجلس عدل أعلى موازٍ لمجلس القضاء الأعلى والذي يعد أعلى سلطة قضائية.
يقول سلامة بسيسو، نائب نقيب المحامين في غزة: "لقد نجحت حماس في تشكيل المجلس الأعلى، لكن ماذا بشأن محكمة البداية، محكمة الاستئناف ومحكمة النقض؟ ماذا عن باقي أعضاء المحاكم الأخرى اللازمة في اتخاذ القرار النهائي بشأن أى قضية؟" بحسب بسيسو فإن راتب القاضي يتراوح بين 15,000 إلى 20,000 شيكل (4000$ إلى 5000$) شهرياً عدا عن المكافئات، والراتب يقطع من أبو مازن، لذا فالعامل المادي حال دون نجاح حكومة هنية في إقناع قضاة مستقلين وذوي كفاءة بقبول تشكيل المحاكم.
أما بشأن القضاء المدني والذي يختص بقضايا الأراضي والعقارات والشيكات، فلا يزال يعمل من خلال القضاة السابقين إلا أن دائرة التنفيذ معطلة لغياب القوة الجبرية الشرعية. لقد أثر تعطيل القضاء الجزائي والمدني على سبعمائة محامي و أيضا على المواطن الفلسطيني الذي تعطلت مصالحه. فبعد أحداث غزة سارع احد قيادي حماس نزار ريان بتشكيل محكمة إسلامية في غزة لتحكم بشأن بعض أفراد فتح الذين شاركوا في الاقتتال الداخلي، لكن قياديين آخرين في الحركة من الذين يحرصون على كسب المجتمع الغربي سارعوا لإخفاء أي معالم لهذه المحكمة. وللتعامل مع القضايا المدنية فقط شكلت رابطة علماء فلسطين في كل حي في أرجاء القطاع لجنة مكونة من سبعة إلى ثمانية شيوخ درسوا أصول الدين والشريعة، الأمر الذي يراه العديد من رجال القانون وجمعيات حقوق الإنسان بمثابة تهديد لسيادة القانون.
أما فيما يتعلق بالمؤسسات المدنية فلم يصدر أي قرار من عباس بعدم توجه الموظفين إلى العمل، والأوامر كانت فقط باحترام قرارات حكومة فياض التابعة له . فالرواتب ولأول مرة منذ مارس 2006 بدأت تدفع بانتظام من رام الله إلى قطاع الموظفين المدنيين كما العسكريين. أما القرارات التي اتخذتها حكومة هنية في الوزارات فانحصرت بالتعيينات. فتم تعيين العديد من أعضاء حركة حماس والموالين لها في مناصب مدراء بوزارات الصحة والتعليم والأوقاف والمواصلات. كما تم تعيين العديد من المدراء في وزارة المالية في دائرة تحصيل الضرائب والرسوم لما لهذه الدوائر من مزايا في تحصيل العائدات الضريبية. فحكومة هنية مسئولة عن دفع رواتب شهرية لستة عشر ألفاً من المدنيين والعسكريين.
هذا وتشهد السلطة التشريعية تعطيلا كاملا للحياة الدستورية بكل جوانبها فالمجلس التشريعي لم يعقد نظراً لاعتقال إسرائيل العديد من أعضاء حماس في المجلس التشريعي، وقد أعلن هنية في خطابه الأخير أن المخرج هو الحصول على توكيلات من المعتقلين بموجبها تتم عقد الاجتماعات.
يبقى تأثير الحصار الذي طال القطاع الاقتصادي، الصحي، التعليمي و الزراعي هو الشاغل الأكبر للمواطن. فأسعار الطحين، السكر، الأرز، الزيوت، اللحوم، الدواجن والفاكهة ارتفعت بنسبة خمسة وثلاثين إلى أربعين بالمائة لتحكم إسرائيل بحجم الواردات. وبينما لم يعد رجال الأعمال يُبتزون من قبل الأجهزة الأمنية وأفراد المقاومة، كما حدث في عهد السلطة السابقة، وأصبح بإمكانهم أن يطلقوا سراح سياراتهم الباهظة الثمن لتجوب شوارع مدينة غزة بعد ما شهده القطاع من سرقة للسيارات وفوضى قبل أحداث غزة، إلا أن تأثير الإغلاق وحرمان القطاع الخاص من المواد الخام كان وقعه شديداً حيث فقد الآلاف فرص عمل كانت متاحة في القطاع لترتفع نسبة البطالة. كما ساهم الإحباط الذي يسود نفوس المواطنين في القطاع المغلق بشكل جذري بعدم اكتراث المواطن بمؤتمر أنابوليس وانحصار فكره وهمه على ما هو آت. فحتى اللحظة لم تحقق حكومة هنية ما وعدت المواطن به من أمان واستقرار تام.

تغريد الخضري هي صحافية ومراسلة صحيفة نيويورك تايمز في غزة