بعد وقت قصير من الانشقاق بين فتح وحماس في يونيو/حزيران 2007، قالت ديانا بوتو، المستشارة الشابة الذكية لرئيس الوزراء سلام فياض، إن مشاهدة الحركتين المتناحرتين تتنازعان السيطرة على السلطة الفلسطينية أشبه بمشاهدة رجال صلع يتعاركون للفوز بمشط. وقد عنت بذلك أنّ الحكومة الفلسطينية التي تتنافس عليها حماس وفتح محبطة وعاجزة وغير فعّالة إلى درجة أنها لا تستحق التقاتل من أجلها.
منذ إنشاء السلطة الفلسطينية عام 1994، يخطو الحكم الذاتي الفلسطيني خطوتان إلى الوراء مقابل كل خطوة نحو الأمام. وقد استمرّ هذا النموذج في الأشهر الخمسة الأخيرة من ممارسة حكومة الطوارئ لسلطتها في الضفة الغربية. فقد شهدت هذه الفترة، في بعض النواحي، بعض الكفاءة في الحكم فتدفقت السيولة و تمت إعادة إحياء عملية السلام، لكنها شهدت أيضاً تراجعاً مقلقاً للديمقراطية.
لقد أعاد رئيس الوزراء سلام فيّاض تعيين كوادر من التكنوقراط البراغماتيين والمتخصصين في حكومته. فالعديد من الشخصيات التي روّجت للإصلاحات التي حظيت بثناء واسع النطاق بين 2002 و2004 عادت الآن لتعمل يجهد للتخلّص من الأضرار التي نجمت عن ممارسات حماس طوال سنة حكمها، مستندة إلى ما تعلمته من تجاربها السابقة. ركز التكنوقراط في الأشهر الخمسة الأولى في السلطة على إعادة إرساء حكم القانون والنظام من خلال القيام بحملة حازمة للسيطرة على حماس وإعطاء زخم لاقتصاد الضفة الغربية ومحاولة التخفيف من المشقّات اليومية المترتبة عن الاحتلال الإسرائيلي من خلال إعادة إحياء عملية السلام. إلا أن النتائج كانت متفاوتة في أفضل الأحوال.
تبقى إعادة بناء القوى الأمنية الفلسطينية التي شُلَّت خلال الانتفاضة الأخيرة هي التحدّي الأصعب بالنسبة للسلطة الفلسطينية. إن الدعم الشعبي للحكومة يعتمد بشكل أساسي على قدرة السلطة الفلسطينية على إعادة إرساء النظام، كما أن إسرائيل لن تخفّف قبضتها على الضفة الغربية إن لم تكن على يقين من أنّ الأمن الفلسطيني يملك الإرادة والقدرة على ملء الفراغ. إلا أن محاولات السلطة الفلسطينية في هذا المجال تواجه الكثير من العقبات والتعقيدات، فقد شهدت الأعوام الأخيرة تدفّقاً للسلاح إلى الضفة الغربية، إضافة إلى تفكّك فتح وتحوّلها إلى شبكة من الميليشيات والعصابات المتباعدة التي تعمل خارج سيطرة القيادة السياسية لأيّ فصيل، وتنامي النزعة القتالية في الأراضي الفلسطينية. في هذه الأثناء، خلقت القطيعة بين فتح وحماس فراغاً في السلطة أدّى إلى تفشّي الفوضى.
كما إن استمرار الاحتلال الإسرائيلي أحبط بشكل متزايد محاولات السلطة الفلسطينية إعادة إرساء النظام. فقد حالت القيود التي تفرضها إسرائيل على السفر دون تمكّن السلطة الفلسطينية من نقل القوى الأمنية إلى المناطق التي تحتاجها. كما أن التوغلات الإسرائيلية شبه اليومية تقلل من شأن القوى الأمنية التي يُفرَض عليها حينها الاختفاء من الشوارع. هذا الغياب المفروض والمتكرّر يعزز من صعوبة عمل الشرطة ويلحق ضرراً بمعنويّاتها ويقوّض صدقيتها إذ يجعلها تبدو وكأنّها متواطئة مع الإسرائيليين. إضافة إلى ذلك، تبرّر التوغّلات الإسرائيلية الوجود المستمرّ للمقاتلين المسلحين الذين يتحمّلون مسؤولية الجزء الأكبر من الفوضى في الضفة الغربية.
أمّا على الصعيد الاقتصادي، فقد حقّقت حكومة فيّاض نجاحاً أكبر. لقد سمحت القطيعة بين فتح وحماس في يونيو/حزيران الماضي للسلطة الفلسطينية بأن تحصل أخيراً على مباركة إسرائيل والولايات المتّحدة مؤقتاً. بعد إقناع إسرائيل بالعودة عن تجميد عائدات الضرائب الفلسطينية في يونيو/حزيران، استأنفت السلطة الفلسطينية دفع الأجور وتسديد ديونها للقطاع الخاص التي تُقدَّر بثلاثمائة مليون دولار، ويبدو أنّ فياض يتّجه نحو الوفاء بوعده بتسديد كافة الأجور والديون بأثر رجعي بحلول نهاية السنة. كما يمدّ الارتفاع الكبير في الإنفاق الحكومي اقتصاد الضفة الغربية بجرعة زخم قوية. ويأمل الرئيس بوش أن تساهم المساعدات الإضافية البالغة 435 مليون دولار التي اقترح تقديمها للسلطة الفلسطينية، بينها 150 مليون دولار في شكل تحويلات مالية مباشرة، في تعزيز الحظوظ الاقتصادية للضفة الغربية.
وبالأهمية نفسها، أصبح بإمكان السلطة الفلسطينية، لأوّل مرّة منذ سنوات، أن تقدّم بارقة أمل على الأقل بأنّ عملية السلام المتجدّدة يمكن أن تُترجَم عملياً إلى تحسناً في نوعية الحياة في الضفة الغربية. لكن حتى الآن ليس لدى الفلسطينيين الكثير ليبتهجوا به، فلا يزال هناك حوالي ستمائة حاجز تفتيش وسواتر ترابية وعوائق أخرى أمام حرية التنقّل تمثل مصدر الإحباط اليومي الأكبر للفلسطينيين. كما أنه في هذه الأثناء قامت إسرائيل بخطوة أولى نحو تنفيذ مشروع مثير للجدل يعرف ب"
E1" يهدف إلى توسيع المستوطنات ويعزل القدس الشرقية الفلسطينية عن الضفة الغربية تماماً كما يقول ناشطون في مجال حقوق الإنسان.
علاوةً على ذلك، سدّد الرئيس الفلسطيني محمود عباس ضربات قوية للديمقراطية الفلسطينية. طوال أكثر من عام، تعاون عباس بفعالية مع إسرائيل والولايات المتحدة والمجتمع الدولي لتقويض الحكومة الفلسطينية المنتخبة بقيادة حماس. كما أنه طرد الإسلاميين من الحكومة بعد استيلاء حماس على غزة وهو يحكم منذ ذلك الوقت بموجب مرسوم رئاسي وعلى أرضية دستورية
هشة. لم يقرّ المجلس التشريعي الفلسطيني – الذي يقبع حوالي نصف أعضائه في السجون الإسرائيلية - قانوناً واحداً منذ وصول حماس إلى السلطة في مطلع عام 2006، مما يعني أنه ليست هناك حتى واجهة من الإشراف التشريعي. وقد داست السلطة الفلسطينية على الإجراءات القانونية وحقوق الإنسان وحرية التعبير والقواعد الأساسية في حكم القانون في حملتها للقضاء على حماس في الضفة الغربية، فاعتقلت أكثر من ألف عضو من حماس وأغلقت أكثر من مائة جمعية خيرية إسلامية ولجأت إلى القوة لتفريق التظاهرات. وقد اتّهمت منظّمة العفو الدولية في تقرير أصدرته مؤخّراً السلطة الفلسطينية بممارسة التعذيب والتوقيف العشوائي وتغييب الإشراف القضائي ضمن مجموعة من الانتهاكات الأخرى للحقوق الأساسية.
مع استمرار الاحتلال الإسرائيلي واشتداد المعركة على السلطة بين فتح وحماس، سوف تبدو الحاكمية والمعايير الديمقراطية من الكماليات أكثر فأكثر. أما القادة الفلسطينيون اليوم فهم كجراحي الطوارئ، يقيّمون بحسب السرعة التي يتنقلون بها من أزمة إلى أخرى، مكتفين بوقف أي نزف حاد ومن ثم المضي قدماً. 

تشارلز لفينسون هو صحافي مقيم في القدس