كردستان العراق هو الجزء الذي يعمل بالطريقة الأفضل في العراق، وهو مثال عملي عما يمكن أن يؤمّنه الاستقرار والحكم الرشيدً لباقي البلاد حيث تعلّم القادة الأكراد أنهم يحقّقون في السلم أكثر مما يحققون في الحرب. مضى عام منذ أن قام الحزبان الكرديان الأساسيان، الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني، بتوحيد قواهما في حكومة إقليم كردستان مع مشاركة رمزية من الأحزاب الأصغر. منذ ذلك الوقت، تزدهر كردستان اقتصادياً وتحلم بأن تصبح مثل دبي. و لكن لتحقيق هدا الحلم، يجب على الأكراد أن يعالجوا التحديات الرئيسية التي تواجههم بما فيها كيفية السيطرة على كيركوك، إدارة عائدات النفط، الحفاظ على الاستقرار، وإدارة العلاقات مع الحكومة المركزية في بغداد.
تملك الحكومة الكردستانية مؤسسات أساسية للحكم والأمن والتشريع تضطلع بأعمالها ولذلك لديها خلافاً لبغداد، فرصة للتفكير استراتيجياً وأبعد من الحالات الطارئة اليومية. تعزّز حكومة إقليم كردستان الاستثمارات الأجنبية والحكومة الإلكترونية وتدريب الموظّفين. ويرسي البرلمان الأساس القانوني للوزارات الكردية. يبدو أنّ القيادة السياسية أصبحت مولعة بالنجاح وبإرضاء الناس.
يعتمد أمن الإقليم على طبقات من القوى الأمنية لا سيّما الشرطة ووحدات الاستخبارات والبشمركة (القوات شبه العسكرية الكردية). تصبح البشمركة التي تُقدَّر أعدادها بنحو مئة ألف عنصر، أكثر احترافاً على الرغم من الولاءات السياسية المختلفة، لدرجة أنها تشكّل جزءاً من الخطة الجديدة لفرض الأمن في بغداد. يفتخر المسؤولون الأكراد بأنّه لم يُقتَل أيّ أجنبي حتى الآن في إقليمهم، لكن تفجير السيارات المفخخة في إربيل ومخمور في مايو/أيار سلّط الضوء على أنّ كردستان لا يزال جزءاً من العراق.
للأكراد وجود سياسي قويّ في العاصمة العراقية ويحاولون لعب أوراقهم بحكمة. على سبيل المثال، نجحوا في حشد معارضة في بغداد للتهديدات العسكرية التركية للإقليم الكردي. ويحاولون أيضاً التأثير في سياسة بغداد لإضعاف سيطرة الحكومة المركزية عندما يتعلّق الأمر بالسيطرة على كركوك والنفط. وفي هذا الإطار كان إدراج المادّة 140 في الدستور العراقي إنجازاً بالنسبة للأكراد، فهي تنصّ على نزع الطابع العربي عن المدينة وإجراء استفتاء حول انضمامها إلى كردستان. وحتى الآن رفض الأكراد بعناد الدعوات (بما في ذلك في تقرير بيكر-هاملتون) لإرجاء الاستفتاء المقرّر حول كركوك، ولكن أصبح خطابهم أكثر مرونة مما يشير إلى احتمال التوصّل إلى اتفاق لتأجيل الاستفتاء.
حكومة إقليم كردستان ليست راضية باعتمادها على بغداد للحصول على المداخيل وغالباً ما تلوم العاصمة على عدم الوفاء بالتزاماتها ولذلك تضغط للسيطرة على عقود النفط في الإقليم. ينصّ مشروع قانون النفط الذي قدّمته الحكومة العراقية على توزيع المداخيل على الأقاليم العراقية بحسب عدد السكان عبر خزينة وطنية. على هذا الأساس، يحصل الأكراد على نحو 17 إلى 20 في المئة من عائدات النفط الوطنية. ويسمح هذا أيضاً للأقاليم والأفراد على السواء، بالاستثمار في قطاع النفط شرط أن يتقيّدوا بالتنظيمات التي تضعها لجنة يعيّنها رئيس الوزراء. انتقدت وسائل الإعلام العربية والكردية القانون معتبرين أنّه يضرّ بالمصالح الوطنية إذ يسمح للشركات الأجنبية بأن تحصد 75 في المئة من الأرباح النفطية. كما يفتقر القانون إلى آلية محدّدة لتسوية الخلافات بين العاصمة والأقاليم. وحاليا تناقش حكومة إقليم كردستان مع بغداد اتفاقات بترولية عدّة وقّعتها مع شركات تركية ونرويجية وسويسرية؛ فقد تعلّم الأكراد كيف يخلقون وقائع ملموسة.
وعلى الرغم من أنّ زيادة الصادرات النفطية تشكّل آفاقاً جذّابة بالنسبة إلى الأكراد إلاّ أنّها تطرح تحدّيات إدارية أيضاً. فحتى الآن لم يدمج الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني وزارتَي المالية والداخلية في حكومة الوحدة. في الواقع، يوزع الحزبان موازنة الإقليم التي تصل من بغداد من دون استشارة البرلمان الكردي أو الأحزاب الأصغر حجماً في حكومة الوحدة. علاوةً على ذلك، لا يزال عدد كبير من الأكراد يتذكّرون القتال الكردي الداخلي حول العائدات الجمركية قبل الاجتياح الأميركي. وتعبّر أصوات عدّة في الإعلام الكردي أيضاً عن قلقها من الفساد. يخشى كثر، عندما يرون كيف أدّت الخصخصة وفورة إعادة الإعمار إلى إثراء النخبة الحاكمة أكثر فأكثر، أن تجلب العقود النفطية مزيداً من العملة نفسها.
خلافاً لما هو شائع، قد يتبيّن أن السيطرة على نفط الإقليم هي محفّز للأكراد للبقاء داخل العراق أكثر منه للانفصال عنه. مع الإمكانيات التي يؤمّنها لهم النفط، سوف يحتاج القادة الأكراد إلى التحلّي بالبراغماتية وبناء الجسور مع جيرانهم الذين تعتمد كردستان عليهم أكثر فأكثر للحصول على الطعام والطاقة الكهربائية والغاز. وستضطر حكومة إقليم كردستان إلى التوصّل إلى حل قانوني لوجود مقاتلين مسلّحين من حزب العمّال الكردستاني على أراضيها لتفادي القتال مع تركيا. ويجب أن تكون حكومة إقليم كردستان متيقّظة أيضاً للتهديدات الأمنية وتتعاون مع الأقاليم والدول المجاورة. في هذا الصدد، شكل قرار القادة الأكراد بطلب المساعدة من السكّان بعد تفجيرات مايو/ أيار بدل من عادة الاعتقالات الجماعية خطوة حكيمة . يجب أن ينظر الأكراد إلى قضية الأمن من منظار أوسع، ليدركوا أنّه لا يمكن لكردستان أن تعيش بسلام وبغداد تحترق.

بلال وهّاب حائز على منحة فولبرايت ويعمل حالياً على مسائل الحاكمية في كردستان العراق.