ما خلا بعض الملصقات واللافتات المرفوعة هنا وهناك في شوارع دمشق للإعلان عن الانتخابات في 22-23 أبريل/نيسان الجاري، لا نرى في سوريا مؤشّرات كثيرة من نوع الحمّى الانتخابية التي تشهدها بعض البلدان العربية في الآونة الأخيرة. والملصقات الترويجية للمرشّحين تقتصر على صورة مع شعار تحتها: نقرأ على ملصق "انتخبوا ابن دمشق الوفي"، وعلى ملصق آخر "انتخبوا الموهبة والقيادة الشابّة". لا وجود على الإطلاق لبرامج انتخابية تتطرّق إلى مسائل جدّية.
قد يُعزى غياب الحماسة في سوريا إلى أنّ المجال مفتوح فقط للتنافس على ثلث المقاعد النيابية البالغ عددها 250 مقعداً. أمّا الثلثان الآخران (167 مقعداً) فيُمنحان تلقائياً للجبهة الوطنية التقدّمية، وهي عبارة عن ائتلاف من حزب البعث وتسعة أحزاب أخرى تحكم سوريا منذ عام 1972. يجري اختيار مرشّحي الجبهة على أساس ولائهم لخطّ الحزب وسجلّهم النظيف لدى الأجهزة الأمنية السورية. المنافسة الفعلية الوحيدة هي بين آلاف المرشّحين المستقلّين على المقاعد الثلاثة والثمانين المتبقّية. يُسمَح للمستقلّين بالترشّح للمجلس النيابي منذ عام 1990، وهي خطوة هدفت إلى إضفاء مظهر من الشرعيّة والتمثيل على مجلس الشعب.
يتوزّع المرشّحون المستقلّون على لوائح متعدّدة لا تعكس بالضرورة انقساماً أيديولوجياً. اللائحة الانتخابية الأبرز هي "الشام" التي تضمّ شخصيات معروفة في مجال الأعمال ونوّاباً سابقين ورجال دين. يركّز برنامجها الانتخابي على البطالة وكلفة العيش الآخذة في الارتفاع. قال محيي الدين حبوش، وهو قطب بارز في مجال السياحة شغل مرّتين مقعداً في مجلس الشعب، عن لائحة "الشام": "لسنا معارضة ولسنا من الجبهة الوطنية التقدّمية، بل نمثّل اتّجاهات متنوِّعة في المجتمع السوري". عند سؤاله عن الانتقادات الواسعة النطاق للدور الهامشي الذي يضطلع به مجلس الشعب في صوغ جدول الأعمال التشريعي، حمّل حبوش وسائل الإعلام مسؤولية التقصير في نقل دور المجلس ونشاطاته بدقّة.
لكن بالنسبة إلى معظم السوريين، المسألة أبعد من النقل غير الوافي لنشاطات المجلس النيابي، كما يزعم حبوش ومرشّحون آخرون. تؤدّي اللامبالاة الشعبية بالسياسية إلى نسبة اقتراع تتراوح من 4 إلى 10 في المئة فقط، بحسب أرقام غير رسمية، ما يعكس عدم ثقة بالعمليّة الانتخابية متجذّراً بقوّة لدى الشعب، وشكوكاً بأنّ المجلس النيابي لا يؤدّي أيّ دور مهمّ. حتّى إنّ بعض السياسيين في الجبهة الوطنية التقدّمية يشاطرون الشعب هذه النظرة. قال يوسف الفيصل، رئيس الحزب الشيوعي السوري الذي هو أحد الأحزاب المشاركة في ائتلاف الجبهة الوطنية التقدّمية "تقتصر المهام الموكلة إلى مجلس الشعب على النظر في مشاريع القوانين التي يحيلها إليه مجلس الوزراء". وتابع أنّه في معظم الأحيان، تُقَرّ تلك القوانين من دون أيّ تعديلات، بغضّ النظر عن الملاحظات التي يبديها النوّاب أثناء النقاش. في الواقع، يمنح الدستور السوري مجلس الشعب سلطات محدودة في مجال مراجعة بيانات الحكومة وسياساتها. بحسب النظام الأساسي للمجلس، يحقّ لعشرة نوّاب اقتراح مشاريع قوانين أثناء الدورة التشريعية، لكنّ النوّاب لا يستخدمون هذه الصلاحيّة أبداً.
أُدخِل عدد قليل من التغييرات الإجرائية إلى العمليّة الانتخابية المرتقبة. ستُستخدَم صناديق اقتراع شفّافة لأوّل مرّة، وقد حُدِّد الإنفاق المسموح به لكلّ مرشّح على حملته الانتخابية بثلاثة ملايين ليرة سورية (60 ألف دولار أميركي). لكن في الجزء الأكبر، ستُجرى الانتخابات كما في السابق. لن يكون هناك إشراف قضائي، بل سيوضَع كلّ مركز اقتراع تحت إشراف ثلاثة موظّفين حكوميين يقسمون اليمين أمام قاضٍ. ينصّ القانون الانتخابي على أنّ كلّ محافظة تشكّل دائرة انتخابية ما عدا محافظة حلب التي تُقسَم إلى دائرتين انتخابيّتين. وتملك هاتان الدائرتان أكبر عدد من المقاعد في مجلس الشعب المؤلّف من 250 نائباً، فقد خُصِّصت لهما مجتمعتين 32 مقعداً، تليهما دمشق مع 29 مقعداً. وينصّ القانون أيضاً على أنّ خمسين في المئة من أعضاء مجلس الشعب يجب أن يكونوا عمّالاً ومزارعين.
تقاطع المعارضة السورية الانتخابات معتبرةً أنّ التغييرات الضئيلة التي أُدخِلت إلى العمليّة الانتخابية هي إلى حدّ بعيد دون المطالب التي ترفعها منذ وقت طويل. تقول المعارضة بقيادة التجمّع الوطني الديمقراطي وتكتّل إعلان دمشق – ائتلاف من 16 حزباً سياسياً – إنّ لديها مشروعاً وطنياً للتغيير الديمقراطي والسلمي، بما في ذلك قانون انتخابي جديد وإنشاء أحزاب سياسية. تتوقّع المعارضة مقاطعة شعبية واسعة للانتخابات على الرغم من الحملة التي تشنّها وسائل إعلام الدولة لحمل الناخبين السوريين المسجَّلين البالغ عددهم ثمانية ملايين على التصويت. قال حسن عبد العظيم، رئيس التجمّع الوطني الديمقراطي ونائب سابق، "إذا لم يتمّ اعتماد قانون أحزاب سياسية جديد يضع حداً لحكم الحزب الواحد في سوريا، ستبقى الانتخابات بكلّ بساطة حدثاً لا معنى له وستظلّ هناك مستويات عالية من اللامبالاة الشعبية".

أميمة عبد اللطيف صحافية مصرية و منسِّقة مشاريع في مركز كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت.