يعول الوسط السياسي الفلسطيني من خارج حركتي فتح وحماس على ما أعلنته قيادات الحركتين، عقب اتفاق مكة، بأن حكومة الوحدة الوطنية التي يجري تشكيلها، لن يكون لها علاقة بالمفاوضات السياسية مع الجانب الإسرائيلي والأطراف الدولية، بمعنى أن هذا الملف سيبقى تحت سيطرة رئيس السلطة محمود عباس بصفته رئيسا لمنظمة التحرير.
إلا أن آلية تشكيل الحكومة وسعي رئيس الوزراء المكلف إسماعيل هنية للقاء فصائل فلسطينية من خارج القوائم البرلمانية لتشكيل الحكومة، تشير إلى عكس ما تعول عليه الأوساط السياسية المستقلة، بل إنه يشير إلى أن هنية لم يختلف كثيرا عن النمط القديم الذي اعتمدته منظمة التحرير في توزيع الحقائب على أساس فصائلي، وبالتالي ستبقى الحكومة المقبلة بعيدة عن المهنية في تقديم الخدمات الحياتية للفلسطينيين.
إن أصل التشكيلات الحكومية في أي دولة يعتمد الثقل البرلماني لأي حزب، على اعتبار أن من وصل إلى العمل تحت قبة البرلمان يكون قد وصل من خلال عملية ديمقراطية اعتمدت رأي الناخب الذي تقوم الحكومة بالإشراف وتنفيذ القوانين عليه.
إن المجلس التشريعي هو المؤسسة الفلسطينية الوحيدة المنتخبة، وهو المؤسسة التي من المفترض أن تمارس الرقابة على الحكومة المقبلة، أو أي حكومة أخرى، رغم أن خمسة فصائل فقط هي التي وصلت إليه، من أصل 13 فصيلا .
وتتوزع القوائم والكتل البرلمانية في المجلس، الذي يتكون من 132 مقعدا كالتالي:
- حركة حماس : 74 مقعدا، يضاف إليها أربعة مقاعد لمستقلين دعمتهم حماس في الانتخابات.
- فتح : 45 مقعدا.
- الجبهة الشعبية: 3 مقاعد.
- الجبهة الديمقراطية + حزب الشعب + الاتحاد الديمقراطي (قائمة انتخابية) : مقعدان، وتفاوض مملثو القائمة على الدخول في الحكومة بشكل منفصل وليس باسم القائمة الانتخابية.
- مستقلون ( قائمة التيار الثالث) : مقعدان ( سلام فياض وحنان عشراوي)، ودخل سلام فياض في الحكومة بتوافق في مكة وليس عبر المفاوضات مع القائمة الانتخابية.
- مستقلون ( قائمة فلسطين المستقلة) : مقعدان، لكن انفصلا داخل المجلس، وأصبحت الكتلة ممثلة بمعقد واحد يمثله النائب مصطفى البرغوثي.
فإن كانت القناعة التي أعلنتها حركتا حماس وفتح، بترك الوضع السياسي والمفاوضات لمنظمة التحرير والفصائل ، وبأن تهتم الحكومة المقبلة بالوضع الداخلي والحياتي صحيحة، لكان حري برئيس الوزراء المكلف التباحث لتشكيل حكومته مع القوائم والكتل البرلمانية فقط، باعتبار أن الناخب الفلسطيني قد اختار ممثليه انتخابا، في حين أن غالبية الأحزاب لا تجري انتخابات داخلية فيها وخاصة فتح وحماس.
وكانت المحطة الأولى التي بدأ هنية منها هي "الجهاد الإسلامي" التي قاطعت الانتخابات التشريعية، وكذلك بحث تشكيل الحكومة مع فصائل لم تحظ بتأييد شعبي يدخلها البرلمان.
وقد جاء قبول حماس التخلي عن منصب وزير المالية، وهو من أكثر المناصب حساسية ، لشخصية مهنية هي، د.سلام فياض، في إطار محاولة الحركة مغازلة الولايات المتحدة وإسرائيل، من خلال التخلي عن المنصب لفياض كونه مطلوبا (إسرائيليا وأمريكيا)، وهو مؤشر على تغيير في عمق توجهات حماس الأيدلوجية، باعتبار أن وزارة المالية يجب أن تبقى في يد أكثر الأحزاب تمثيلا في البرلمان.
إن اقتسام الحقائب الوزارية على أساس الكوتا الفصائلية وليس على الأسس المهنية، أو على الأقل البرلمانية، يضع تساؤلا حول مهنية وأداء الحكومة المقبلة، ومؤشرا بأنها لن تختلف كثيرا عن الحكومات العشر السابقة، إن لم تكن أسوأ.
فلن يستطيع وزير المالية المرشح فياض، الذي يعتبر من المستقلين والمهنيين، ولا وزير الخارجية المرشح المستقل زياد أبو عمرو، من العمل المهني والحر، إذا كان التشكيل الحكومي اعتمد مبدأ التمثيل الفصائلي.
وأي خلاف فصائلي قد يطرأ مستقبلا، خاصة بين فتح وحماس، سيكون سيفا مسلطا على رقاب، ليس وزيرا المالية والخارجية فقط، بل على جميع أعضاء الحكومة الذين قد يحاولون العمل باستقلالية، وهذا ما قد يدفعهم للتخلي عن المهنية، اذا استدعى الأمر ذلك.
ويدعو المستقلون في التشريعي إلى اعتماد" حكومة كفاءات ومهنيين" لتجنب التجاذبات السياسية التي ستطرأ على الحكومة والتشريعي عند وقوع أي صدام سياسي بين الفصائل خاصة فتح وحماس، في حال تشكيل الحكومة وفق الكوتا.
ولأن اعتماد التشكيل الحزبي والفصائلي للحكومة سيؤثر سلبا على أداء الحكومة المقبلة، فإن أولى الأزمات التي ستواجهها هي إشكالية مواصلة إسرائيل اعتقال 39 نائبا، من بينهم 35 نائبا من حماس، وهذا ما أفقدها الأكثرية لصالح فتح والقوائم الأخرى، الأمر الذي سيدفع حماس، التي ترأس المجلس، إلى عرقلة أي اجتماع للمجلس يحاول ممارسة الرقابة على الحكومة.
وفي حال بقي نواب حماس رهن الاعتقال، عند تشكيل الحكومة المقبلة، فلن تقبل الحركة بعقد أي جلسة خوفا من تمرير قضايا لا توافق عليها ، وهذا ما سيعطي مجالا للحكومة المقبلة للتصرف بعيدا عن أنظار التشريعي الرقابية.
وفي السابع من مارس الحالي، الذي أطلق عليه التشريعي السابق يوم الديمقراطية، كان يفترض أن ينهي التشريعي دورته الأولى، ويبدأ دورة جديدة، الأمر الذي يحتم على المجلس إجراء انتخابات جديدة لهيئة الرئاسة فيه، لكن ووفقا لعدد المقاعد التي بقيت لحماس عقب اعتقال نوابها، فإنه من المؤكد أن الحركة سترفض عقد الجلسة لأن أي انتخابات قد تفقدها رئاسة المجلس.
ولتجاوز هذه الورطة، فقد اتفقت فتح وحماس والفصائل الأخرى على إرجاء الإعلان عن الدورة البرلمانية الثانية لأربعين يوما إضافيا، ويؤكد هذا الاجراء الذي لم يتبع الأصول البرلمانية، بأن الفصائلية هي الأساس، وليس المؤسساتية والفصل بين السلطات، وهي عنوان المرحلة المقبلة.

حسام عزالدين صحافي فلسطيني يعمل بصحيفة الأيام الفلسطينية ويغطي أعمال المجلس التشريعي منذ أول انتخابات فلسطينية في 1996.