المقاربة التي اعتمدها الاتّحاد الأوروبي حيال الحكومة التي تقودها حركة المقاومة الإسلامية (حماس) والتي تشكّلت في مارس/آذار 2006، قائمة على العزل: رفض الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء فيه الحوار، على الأقلّ على المستوى الرسمي، وسحبوا دعم الموازنة. وقد فعل الاتّحاد الأوروبي ذلك بنيّة الضغط على حماس لقبول الشروط الثلاثة التي وضعتها اللجنة الرباعية من أجل الاستمرار في التعاون وتأمين التمويل: التخلّي عن العنف، والاعتراف بحقّ إسرائيل في الوجود، وقبول كلّ المعاهدات والاتّفاقات الموقّعة بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل.

في الوقت نفسه، لم يكن القصد تجويع الفلسطينيين. لذلك، وبناءً على طلب من اللجنة الرباعية، وضع الاتّحاد الأوروبي ما يُعرَف ب"الآلية الدولية الموقّتة" بهدف الحفاظ على الخدمات الأساسية والبنى التحتية بالتزامن مع تطويق الحكومة الفلسطينية المنتخبة. دخلت هذه الآلية حيّز التنفيذ منذ أواخر يونيو/حزيران 2006 من خلال ثلاث "نوافذ": الأولى تركّزت على الدعم للمستشفيات والعيادات، والثانية على إمدادات الطاقة وتأمين المياه، والثالثة على المخصّصات الاجتماعية التي تُوزَّع على الأكثر فقراً بين السكّان وعلى العمّال الذين يؤمّنون الخدمات الأساسية. بحلول عام 2006، كانت المفوّضية الأوروبية قد خصّصت 90 مليون يورو للآليّة الدولية الموقّتة، مع تقديم الدول الأعضاء في الاتّحاد الأوروبي مبلغاً مماثلاً تقريباً. حصل نحو 150 ألف فلسطيني على الدعم المالي. كما حصل طاقم الرئيس محمود عبّاس على مساعدة تقنية وأفاد من برامج لبناء القدرات.

لا شكّ في أنّ "الآلية الدولية الموقّتة" ساعدت على تفادي وقوع كارثة إنسانية في الأراضي الفلسطينية. لكن إذا كانت تلك الكارثة تهدّد بالوقوع، فالسبب هو السياسات الغربية والإسرائيلية: توقُّف الاتّحاد الأوروبي عن دعم الموازنة، وامتناع إسرائيل عن تحويل أموال الضريبة على القيمة المضافة والرسوم الجمركية إلى السلطة الفلسطينية، والعمليات العسكرية في قطاع غزّة والإغلاق الشامل لغزّة والضفة الغربية. في الواقع ازدادت المساعدات الأوروبية للفلسطينيين عام 2006، لكنّ الوضع الاجتماعي والاقتصادي في الأراضي الفلسطينية تدهور أكثر.

وكانت لمقاربة الاتّحاد الأوروبي أيضاً نتائج عكسية في ما يتعلّق ببناء الدولة والدمقرطة. فمؤسّسات الحكم التي أُضعِفت أصلاً خلال سنوات الانتفاضة الثانية، تراجعت أكثر فأكثر. تحوّل موظّفو السلطة الفلسطينية مجرّد أشخاص يتلقّون المساعدات. وسارت جهود الإصلاح المؤسّسية الآيلة إلى نشر الديمقراطية في الاتّجاه المعاكس، وذلك بهدف تثبيت الرئيس في منصبه على حساب رئيس الوزراء. فبعد عام 2000، كانت سياسات الاتّحاد الأوروبي قد تركّزت على كبح صلاحيات الرئيس (ياسرعرفات في ذلك الوقت)، وذلك من خلال أمور عدّة بينها استحداث منصب رئيس الوزراء وإرساء الشفافية المالية وتنظيم كلّ العائدات في حساب واحد تشرف عليه وزارة المالية وتوحيد معظم الأجهزة الأمنية تحت سلطة وزارة الداخلية. الآن مع سيطرة حماس على منصب رئيس الوزراء، يسعى الاتّحاد الأوروبي إلى تعزيز موقع الرئيس (محمود عباس) من خلال التعاون والمساعدة المباشرَين، وهدا يقلب الإصلاحات السابقة وينقص من قيمة الدستور الفلسطيني.

علاوةً على ذلك، أخلّ الاتّحاد الأوروبي بهدفه المعلَن المتمثّل بالتوصّل إلى تسوية سلمية للنزاع بين الفلسطينيين. فسّر مناصرو حركة فتح التي يرأسها عباس موقف الغرب بأنّه تشجيع ضمني على الانتظار وراء الكواليس أملاً في استعادة السلطة فور الانهيار المبكر لحكومة حماس. أثنى هذا التفسير – الذي يستند إلى شيء من الصحّة – حركة فتح عن التحوّل معارضةً فاعلة وديمقراطية، وعن تطبيق الإصلاح الداخلي الذي يشكّل حاجة ماسّة. وقد فهِم بعض عناصر فتح موقف الغرب بأنّه يشمل أيضاً دعم استعادتهم للسلطة بالقوّة إذا لزِم الأمر، وهو سلوك تأكّد أكثر فأكثر من خلال شحنات الأسلحة التي أرسِلت حديثاً إلى قوّات عباس والتدريب العسكري الذي تحصل عليه.
ساهمت سياسة العزلة التي يطبّقها الغرب في زيادة تأثير إيران وسوريا وقيادة حماس المنفيّة على حركة حماس
بدلاً من تعزيز الاتّجاه المعتدل، إذ كان على حكومة حماس البحث عن حلفاء ومصادر تمويل بديلة. وكانت النتيجة تصعيداً غير مسبوق في العنف بين الفلسطينيين. باختصار، فشلت المقاربة الأوروبية القائمة على العَزْل والإغاثة في آن واحد، في حماية الفلسطينيين أو دفع جهود السلام نحو الأمام. ينبغي على الأوروبيين أن يركّزوا قبل كلّ شيء على إعادة الأطراف إلى طاولة المفاوضات، فهذا هو السبيل الوحيد لتعزيز موقع الرئيس عبّاس. وفي الوقت نفسه، يجدر بهم العودة على الفور إلى بناء الدولة بهدف تفادي المزيد من الفوضى والاختراق من قبل الجهاديين. لكنّ هذا مستحيل في وقت يجري فيه تطويق الحكومة الحالية وتقويض مؤسّساتها. إذا تشكلت حكومة الوحدة المكونة من حماس و فتح، فيجب على الاتحاد الأوربي آنذاك التعامل معها في حالة تبني "برنامج يعكس شروط الرباعية" كما صرح به قرار مجلس يناير2007 للاتحاد الأوربي. إذا أخفقت هذه الحكومة، فالحوار مع حماس ضروريّ أكثر من أيّ وقت آخر من أجل التوصّل إلى أسس مشتركة وتطبيق معايير اللجنة الرباعية بطريقة منطقية.

مورييل أسبورغ رئيسة "وحدة الشرق الأوسط وأفريقيا" في "المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية" في برلين.