بعد أكثر من ثلاث سنوات ونصف على سقوط بغداد بيد الجنود الأميركيين في أبريل/نيسان 2003، تبدو كلمة "رهيب" وصفاً شبه متفائل للوضع الحالي في العراق. لدى النقّاد النظريين أدلّة وافية عن إحجام الإدارة الأميركية عن كشف الحقيقة كاملة و عن تخطيطها غير المناسب وهفواتها الكثيرة بعد الاجتياح. من المؤكّد أنّ إخفاق الجمهوريين في انتخابات الكونغرس في نوفمبر/تشرين الثاني 2006 سيؤدّي إلى تكوين لجان التقصّي التي سوف تكشف مزيداً من عدم الكفاءة والفساد على أعلى مستويات الحكومة. لكنّ السؤال المطروح هو كالتالي: هل قرار الولايات المتّحدة ترويج حكومة ديمقراطية بالعراق هو السبّب وراء المأساة الحالية؟

من بين الأخطاء الخطيرة التي ارتُكِبت بعد الاجتياح – إلى جانب التقدير البخس بشأن عدد الجنود الأميركيين الضروريين لفرض النظام – كان التخلص من البعثيين (لا سيّما تحت إشراف الثري أحمد الجلبي الانتهازي) قراراً غير حكيم لسببين أساسيين. أولاً، أعطى الجلبي الذي لم يكن اسمه يعني الكثير أو يعني شيئاً على الإطلاق في العراق، فرصة التخلّص من منافسين محتملين بين المسؤولين الرفيعي المستوى. ثانياً، أصبح عدد كبير من المؤسّسات العراقية غير فعالة في غياب الموظّفين المسؤولين الكبار. ففي ألمانيا ما بعد الحرب العالمية الثانية، سرعان ما اضطُرَّت عملية تطهير النازيين إلى أن تكون انتقائية لأسباب مشابهة. يمكن أن نواصل تعداد الأخطاء المؤسفة إلى درجة التقزّز لكن يكفي أن نذكر الخطأ الأكبر، و هو قرار تسريح الجيش من دون مصادرة أسلحته وتأمين بعض أساليب الدعم لمن وجدوا أنفسهم فجأة من دون عمل.

بعد الهجمات الإرهابية في سبتمبر/أيلول 2001 وقبل اجتياح العراق، سُوِّق عدد من سيناريوات بخصوص العراق، وكان معظمها صادراً عن وزارة الخارجية الأميركية. وكان أحد السيناريوات الذي بدا جذّاباً نظراً إلى بساطته الظاهرة وإمكانية كلفته المنخفضة – وهنا تكمن المشكلة – تدخّل أميركي سريع و استبدال صدّام حسين بضابط عسكري. كان متوقّعاً أن يطبّق هذا الضابط نسخة أقلّ همجية عن تلك السائدة في عهد صدّام. بالتأكيد، هدا الديكتاتور الجديد مدين بالفضل للولايات المتّحدة، وبما أنّ يدَيه أقلّ تلطّخاً بالدماء من سلفه، ربّما لكان بوسعه العمل على تطبيق العديد من الإصلاحات السياسية الشكلية على الطريقة السعودية، أو حتّى الطموحة على الطريقة المصرية. كان العثور على هذا الشخص، ناهيك عن محاولة الاحتكاك به، محفوفاً بالصعوبات، ومن الواضح أنّ الفكرة وُضِعت على الرف مع التوصيات المضمَّنة في ورقة "مستقبل المشروع العراقي" الصادرة عن وزارة الخارجية الأميركية والتي منع رامسفليد في قرار شهير، مرؤوسيه من قراءتها.

يعتبر البعض أنّ مخطّط المحافظين الجدد فشل لأنّه كان طموحاً جداً ولأنّ العراقيين لم يكونوا جاهزين للديمقراطية أو ربّما لأنّه بعد نحو خمسين عاماً من الحكم التوتاليتاري، لم يكونوا قادرين على التكيّف مع نظام سياسي تعدّدي. ثمّة أدلّة وافية تشير إلى أنّ هذا ليس صحيح، فالبيانات الأوّلية من بعض الانتخابات المحلّية عامَي 2003 و2004 تشير إلى أنّ الناخبين كانوا جاهزين تماماً للتصويت مثلاً لمرشّحين من غير مذهبهم. علاوةً على ذلك، من المهمّ أن نتذكّر أنّه على الرغم من الأوضاع الأمنية المتوتّرة، شارك 58 في المئة و70 في المئة من الناخبين الذين يحقّ لهم التصويت في الانتخابات في يناير/كانون الثاني وديسمبر/كانون الأوّل 2005 على التوالي. ليست المشكلة الأساسية أنّ العراقيين لا يريدون الديمقراطية أو ليسوا مستعدّين لها بل الغياب شبه التام للأمن العام. ويعود ذلك إلى وجود العديد من الميليشيات المسلَّحة التي يموّلها أفراد غير عراقيين أو مجموعات غير عراقية، وتملك أهدافاً متنوِّعة بدءاً من انتقام الشيعة من الأعضاء السابقين في نظام صدام وصولاً إلى التطرّف الشديد للسلفيين أو الوهّابيين في مناهضتهم للشيعة.

بناءً عليه، ينبغي على الجهود التي تُبذَل من أجل وقف المأساة في العراق، ألاّ تتخلّى عن نشر الديمقراطية بل أن تعمل بدلاً من ذلك على تعطيل الميليشيات. إلى جانب محاولة إقامة علاقات إلى حدّ ما مع إيران وسوريا، مسار التحرّك المنطقي الوحيد الذي ينبغي على الولايات المتّحدة سلوكه في الوقت الراهن هو محاولة تعقّب مصادر تمويل التمرّد السنّي، ومعظمها من السعودية والخليج وعلى الأرجح باكستان، والقضاء عليها. ومع النفوذ الذي يؤمّنه بناء علاقات أفضل مع إيران، يمكن عندئذٍ السيطرة على بعض الميليشيات الشيعية على الأقلّ. في الوقت نفسه، يجب ألاّ تألو الولايات المتّحدة جهداً من أجل تعزيز القوّات المسلّحة العراقية. فالعراق بأمسّ الحاجة إلى مؤسّسات قويّة كي تصمد الدولة ويسود الأمن الذي ينتظره العراقيين.

بيتر سلاغليت أستاذ مادّة تاريخ الشرق الأوسط في جامعة يوتا في سولت لايك سيتي.