منذ عام 2002، الدبلوماسية الأميركية حيال الصراع الإسرائيلي-الفسلطيني مقيَّدة بمبدأ إسرائيل الذي يعتبر أنّه ليس هناك شريك فلسطيني للسلام. بحسب هذا المفهوم – الذي تقبله الولايات المتّحدة – لا يمكن إجراء محادثات سلام قبل أن يوقف الفلسطينيون العنف حيال إسرائيل ويصلحوا سياستهم الداخلية.

كان المنطق وراء سياسة ال"لا شريك" في حقبة رئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات ورئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون أنّه يجب ألاّ يُتوقَّع من إسرائيل التفاوض في مواجهة الإرهاب. حتّى بعدما ساهم وقف إطلاق نار فلسطيني من جانب أحادي في وضع حدّ للانتفاضة الثانية في فبراير/شباط 2005، استمرّت سياسة ال"لا شريك" وأُهدِرت فرصة مهمّة. ثم ترسّخت هذه السياسة مع انتخاب حكومة حماس في يناير/كانون الثاني 2006 واشتراط إسرائيل والولايات المتّحدة أن تعترف حماس بإسرائيل وتتخلّى عن العنف وتقبل كلّ الاتّفاقات السابقة من أجل تجديد المفاوضات.

مهما كانت النيّات الأميركية، كان التأثير الفعلي للسياسة الأميركية – إلى جانب الممارسات الإسرائيلية الأحادية التي يبدو أنّها تهدف إلى الحؤول دون التوصّل إلى تسويات من خلال التفاوض - تجدّد العنف ومزيداً من الانهيار في النظام السياسي الفلسطيني. من غير المنطقيّ إلقاء عبء التغيير على الفلسطينيين وحدهم بدون منحهم أملاً ومحفّزات وبدون طلب خطوات متبادَلة من إسرائيل. ينبغي على سياسة أميركية قابلة للنجاح أن تقرّ بأنّ العنف والفوضى الفلسطينيَّين هما في شكل أساسي عوارض صراع أعمق حول الاحتلال والسيادة. ستستمرّ هذه العوارض ما دام يُنكَر على الفلسطينيين حقّهم في إقامة دولة حقيقية، وستكون الجهود الأميركية للتأثير في السياسات الفلسطينية الداخلية وإصلاحها هامشيّة أو تعود بنتائج عكسية.

كانت السياسات الأميركية حيال الإصلاح الفلسطيني بهدف ترويج بناء السلام غير منتظمة. في التسعينات، تغاضت واشنطن عن سلطويّة عرفات من أجل دعم مكافحة الإرهاب. أثناء الانتفاضة الثانية التي بدأت في خريف 2000، سعت الولايات المتّحدة إلى كبح عرفات من خلال استحداث منصب رئيس وزراء وترشيد القوى الأمنية الفلسطينية والإصلاحات الضريبية. عندما تولّى خلف عرفات الأكثر تعاوناً وانفتاحاً على الإصلاح، الرئيس محمود عباس، منصبه ودعا إلى الشروع في محادثات سلام جديدة عام 2004، لم يحصل سوى على كلام ودّي من واشنطن ولم يحظَ بأيّ دعم من إسرائيل.

قبل الانتخابات البرلمانية الفلسطينية، دعمت الولايات المتّحدة أيضاً تنظيم عمليّات ديمقراطية يشارك فيها الفلسطينيون. لكن بعد فوز حركة حماس في يناير/كانون الثاني 2006، لم تقاطع الولايات المتّحدة مسؤولي حماس وتشجّع على قطع المساعدات الاقتصادية عن الحركة إلى أن تلبّي الشروط الثلاثة وحسب بل غيّرت أيضاً سلوكها في موضوع الإصلاح. عدلت واشنطن عن سياستها القائمة على تمكين رئيس الوزراء والإصلاح الأمني (التي اتّبعتها عندما كان عرفات على قيد الحياة) وسعت بدلاً من ذلك إلى تعزيز موقع الرئيس عباس مقابل حكومة حماس المنتخبة ورئيس الوزراء إسماعيل هنيّة. لهذه الغاية، وإلى جانب قطع المساعدات، تدرّب الولايات المتّحدة الآن وتسلّح الحرس الرئاسي الذي سيكون مسؤولاً أمام عباس وليس وزارة الداخلية التي تتولاّها حماس. وتموّل واشنطن أيضاً برامج لتعزيز حركة فتح المهزومة التي يرأسها عباس وأحزاب أخرى مستقلّة بهدف خلق بدائل عن حركة حماس.

للمواربات الأميركية في موضوع الديمقراطية والإصلاح والافتقار إلى الوضوح في المسائل الأساسية للصراع الإسرائيلي-الفلسطيني انعكاسات خطيرة. من المستبعد أن تنجح الجهود الأميركية للتلاعب بالسياسة الداخلية الفلسطينية والتي تشبه جهوداً فاشلة بذلتها إسرائيل في السابق. في الواقع، إنّ قطع المساعدات والجهود الأخرى التي تُبذَل لتغيير التوازن الداخلي بحيث ينقلب على حماس أضعفت حتّى الآن عباس أكثر من حماس. فقد حافظت الأخيرة على برامجها وخدماتها الاجتماعية في حين أنّ مؤسّسات السلطة الفلسطينية مثل المدارس والمستشفيات مهدَّدة بالانهيار. في مرحلة من المنافسة التي تزداد حدّة وعنفاً بين حماس وفتح، قد تؤدّي الجهود الآيلة إلى دعم عباس وفتح من خلال قوّة أمنية رئاسية إلى اندلاع حرب أهليّة فلسطينية. وشجّع أيضاً افتقار الحكومة إلى المال – بما في ذلك الأجهزة الأمنية – العنف وأساليب العصابات. وأدّى اعتماد إسرائيل على القوّة المكثّفة في حملتها المتجدّدة في غزّة التي أودت بحياة أكثر من 350 فلسطينياً، إلى مدّ مناضلي حماس بالزخم ومزيد من التقويض لنداءات عباس الداعية إلى الابتعاد عن العنف، وبروز تهديدات بتجدّد الإرهاب.

ثمّة حاجة إلى سياسة أميركية جديدة تجمع بين السلام والإصلاح. أولاً، يجب أن تدعو الولايات المتّحدة إلى تطبيق وقف إطلاق نار متبادل فوري وتبادل الأسرى. ثانياً، يجب أن تسعى إلى فتح قنوات اتّصال مع حماس من أجل تشجيع العناصر البراغماتيين في الحركة. ثالثاً، يجب أن تحضّ واشنطن إسرائيل على التوقّف عن الاستيلاء على عائدات الضرائب الخاصّة بالسلطة الفلسطينية وتسمح للأوروبيين باستئناف المساعدات للفلسطينيين. رابعاً، ينبغي عليها أن تحضّ إسرائيل على القيام بخطوات من أجل وقف الأعمال الأحاديّة والتخفيف من ظروف الاحتلال الشاقّة في موازاة إصلاحات أمنية فلسطينية. أخيراً، يجدر بالولايات المتّحدة أن تقدّم رؤية جديدة عن السلام للإسرائيليين والفلسطينيين، فتبثّ أملاً بالخروج من المأزق المدمِّر الحالي من خلال خطّة عملية للتوصّل إلى سلام قائم على حلّ الدولتين ومن شأنه أن يلبّي الحاجات الأساسية للطرفَين. وحدها هذه الخطوات كفيلة بمنح الجهود الأميركية الآيلة إلى ترويج الإصلاح الفلسطيني وخلق شريك أكثر اعتدالاً، فرصة للنجاح.

بول س. ويلكوكس ج. رئيس "مؤسّسة السلام في الشرق الأوسط" في واشنطن وقنصل عام سابق للولايات المتّحدة في القدس.