المفاوضات لتشكيل حكومة وحدة وطنية تجمع حركتَي "فتح" و"حماس" هي ثمرة الضغوط الدولية التي أرغمت "حماس" على التفكير في التضحية ببعض من سلطتها الرسمية داخل السلطة الفلسطينية على الرغم من أنّ الحركة الإسلامية وحلفاءها يملكون 77 مقعداً من أصل 132 في المجلس التشريعي الفلسطيني. وردّ الفعل الذي ينبغي على المجتمع الدولي أن يتّخذه من المفاوضات لتشكيل ائتلاف بين "حماس" و"فتح"، يتوقّف جزئياً على ما إذا كانت الضغوط الدولية قد حدّت أيضاً من مصادر السلطة غير الرسمية التي تملكها "حماس". إذا احتفظت "حماس" بسلطة قويّة خارج مؤسّسات السلطة الفلسطينية، فمن شأن إخراجها من الحكومة أن يجعل السلطة الفلسطينية بكلّ بساطة غير فاعلة في تلبية حاجات الفلسطينيين والإسرائيليين على السواء. من أجل قياس نفوذ "حماس" مقارنةً بنفوذ "فتح"، يجب إلقاء نظرة على قواعدها الثلاث: الخدمات الاجتماعية والقوّة العسكرية والدعم الشعبي.

عزا المراقبون الفلسطينيون والأجانب فوز "حماس" في الانتخابات المحلّية عام 2005 والانتخابات التشريعية عام 2006 إلى شبكة مقدّمي الخدمات الاجتماعية الفاعلين والنزيهين التي تملكها الحركة. شبكات الخدمة الاجتماعية هذه هي أكثر من مجرّد قاعدة لشعبيّة "حماس"، إنّها أيضاً مؤشّر عن قوّتها التنظيمية. وفي حين أنّه من الصعب قياس خدمات "حماس" الاجتماعية بدقّة – لا تنشر كشوفات أو تقارير سنويّة – يلفت مسؤولون في الأمم المتّحدة إلى أنّها لا تزال فعلية تماماً كما قبل الانتخابات. يبدو أنّ العقوبات الماليّة الخانقة التي قضت تقريباً على قدرة السلطة الفلسطينية على تأمين خدمات حكومية، لم تحدّ من قدرة حركة "حماس" على تأمين خدمات في نطاق أصغر.

تستطيع "حماس"، بفضل قوّتها العسكرية، شنّ هجمات إرهابية على إسرائيل ومحاربة المجموعات العسكرية التابعة ل"فتح". وفي الحالتَين، تساوي القوّة العسكرية سلطة فعليّة داخل السلطة الفلسطينية. في حين أنّه يصعب أيضاً قياس قوّة "حماس" العسكرية في شكل مباشر، يمكن مراقبة استعمالها. تشير الصدامات بين قوّات "حماس" و"فتح" في غزّة منذ مطلع شهر أكتوبر/تشرين الأوّل إلى أنّ "حماس" احتفظت على الأقلّ بنوع من التكافؤ العسكري مع "فتح". على الرغم من الغارات الإسرائيلية التي تستهدف القوّات العسكرية التابعة ل"حماس"، تشير تقارير إخبارية إلى أنّ إحدى مجموعات "حماس" المسلّحة، وتُعرَف ب"القوّة التنفيذية"، أصبحت قويّة بما يكفي لإرغام بعض قادة "فتح" على مغادرة غزّة.

قياس الدعم الشعبي ل"حماس" أسهل نوعاً ما بفضل استطلاعات الرأي العام الدوريّة في السلطة الفلسطينية. في الانتخابات التشريعية، سجّلت "حماس" و"فتح" نتائج متقاربة من حيث حصّتهما من التصويت الشعبي، حيث فازت "حماس" ب44 في المئة من الأصوات و"فتح" ب41 في المئة. أظهرت معظم استطلاعات الرأي قبل الانتخابات تقدّم "فتح" بنقاط قليلة على "حماس"، وهو خطأ سببه على الأرجح المشكلات المنهجية في إجراء الاستطلاعات، وتردّد المستطلَعين، وهذا أمر مفهوم، في الإقرار بدعمهم ل"حماس" نظراً إلى إمكان تعرّضهم للانتقام من جانب "فتح" أو إسرائيل. فور انتهاء الانتخابات، ارتفع الدعم ل"حماس" في استطلاعات الرأي ليتجاوز نسبة ال44 في المئة التي سجّلتها في الانتخابات، وربّما دلّ هذا على أمرين: شهر عسل للمجلس التشريعي الجديد وانحسار الشعور بالخوف لدى المستطلَعين.

في حين أنّه من الممكن ذكر استطلاعات رأي أجريت في الآونة الأخيرة أو أجزاء منها كإثبات على أنّ "حماس" تخسر الكثير من الدعم، يشير الجوّ العام في بيانات استطلاعات الرأي إلى أنّ "حماس" و"فتح" لا تزالان متعادلتَين. تُظهر استطلاعات الرأي منذ يونيو/حزيران نسبة دعم لكلّ من الحركتَين مستقرّة على نحو أربعين في المئة، على الرغم من أنّ آخر استطلاع موثوق يشير إلى تراجع الدعم للحركتَين، مع 35 في المئة ل"فتح" و31 في المئة ل"حماس". نظراً إلى هامش الخطأ والمشكلات المنهجيّة وعامل الخوف المحتمل لدى المستطلَعين، يجب اعتبار هذه النتيجة أيضاً إثباتاً على التساوي في الدعم الشعبي في شكل عام. عند التعمّق أكثر في استطلاعات الرأي، وفي حين أنّ 44 في المئة يعطون "حماس" تصنيفاً سلبياً بسبب دورها في الأزمات التي حصلت بعد الانتخابات، و60 في المئة يعطونها تصنيفاً "سيّئاً" في ما يتعلّق بتطبيق برنامجها الانتخابي، ما زال 62 في المئة يدعمون قرار "حماس" الأهمّ: عدم الاعتراف بإسرائيل.

بعد سبعة أشهر من الأزمة السياسية والاقتصادية الحادّة، لا سيّما الإغلاق شبه الكامل لقطاع غزّة وقطع المساعدات المادّية ما جعل 170 ألف موظّف في السلطة الفلسطينية يتقاضون عن هذه الفترة معاشاً لا يتجاوز راتب شهرين، أبدت "حماس" استعداداً للتفاوض على اتّفاق من أجل تقاسم السلطة الرسمية في السلطة الفلسطينية. لكن في حين أنّ الضغوط المستمرّة قد تنجح في إرغام "حماس" على التنازل عن مزيد من سلطتها الرسمية داخل السلطة الفلسطينية (أو عن كامل هذه السلطة)، لا تظهر التجربة حتّى الآن أنّها قادرة على تقويض مصادر النفوذ الأخرى التي تتمتّع بها "حماس".

في ديسمبر/كانون الأول 2005 ويناير/كانون الثاني 2006، ضغط المجتمع الدولي على السلطة الفلسطينية كي تجري انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني في موعدها، متجاوزاً بذلك تحفّظات قويّة من "فتح" على العمليّة الانتخابية. أحد الأسباب التي جعلت المجتمع الدولي يتّخذ هذا الموقف هو أنّ الحكومة التي تقودها "فتح" لم تكن تعكس علاقات النفوذ الحقيقية داخل السلطة الفلسطينية، وكانت تالياً عاجزة عن تحقيق إصلاحات ذات شأن في مؤسّسات السلطة الفلسطينية أو عن تحسين الأمن بالنسبة إلى إسرائيل. ينبغي على المجتمع الدولي، بينما يستعدّ الآن لاتّخاذ قرار بشأن القبول بحكومة وحدة وطنية أو رفضها، أن يأخذ في الاعتبار قوّة "حماس" الحقيقية، والثابتة على ما يبدو.

جاريت بلانك عضو معنيّ بالشؤون الدولية في "مجلس العلاقات الخارجية" مركزه "معهد الولايات المتّحدة للسلام". كان رئيس وفد "المؤسّسة الدولية للأنظمة الانتخابية" في السلطة الفلسطينية من مارس/آذار 2005 إلى مارس/آذار 2006.