سلكت حكومة إقليم كردستان في العراق التي تتمتّع عملياً باستقلال ذاتي منذ عام 1992، مساراً متفاوتاً في الطريق نحو الحكم الجيّد. لقد مرّت ستّة أشهر منذ تشكيل الحكومة الكردية الموحّدة الحالية. وفي حين أنّ كردستان يصبح مستقرّاً وآمناً أكثر فأكثر، ما زال ينبغي عليه أن يبني قدرة على المساءلة والحكم النظيف. الفساد والأجور الضعيفة والمهارات الإدارية السيّئة وانعدام الفرص للشبّاب تحدّيات مهمّة تواجه حكومة إقليم كردستان.

بعد سنوات من الشقاق والنزاع والحكومات المتوازية، شكّل "الحزب الديمقراطي الكردستاني" و"الاتّحاد الوطني الكردستاني" ائتلافاً واسعاً وترشّحا معاً للجمعية الوطنية الكردية والجمعية الوطنية العراقية في العمليّتين الانتخابيّتين اللتين شهدهما العراق بعد 2003. على الرغم من تقاسم السلطة مناصفةً ومشاطرة بعض الوزارات الأساسية، كان أداء الحكومة الجديدة أفضل ممّا توقّعه عدد كبير من المراقبين. الفشل ممنوع على حكومة إقليم كردستان التي تضعها التحدّيات في بغداد والضغوط الشعبيّة في الداخل، في وضع حرج.

لكنّ الحكم في كردستان يواجه تحدّيات بسبب إرث عقود من الديكتاتورية والحروب والعقوبات واحتكار الأحزاب السياسية. عندما تُرِك الأكراد يديرون البلاد عام 1992، كان أمامهم نموذج واحد من الحكم ليتّبعوه: نموذج النظام السابق. بناءً عليه، أصبحت المؤسّسات الحكومية أدوات حافظت الأحزاب السياسية من خلالها على النفوذ. وبقيت الحكومة أيضاً ربّ العمل الأوّل، فحكومة إقليم كردستان تنفق 60 في المئة من موازنتها على أجور الموظّفين في المكاتب الرسمية التي تضمّ فائضاً كبيراً من المستخدَمين. وإلى جانب هدر الإيرادات، يمنح فائض الموظّفين أيضاً المسئولين الرسميين نفوذاً استنسابياً واسع النطاق يعمدون إلى استغلاله.

حتّى الآونة الأخيرة، لم تكن لدى الإدارات الكردية حوافز قويّة لتحسين أدائها. كان المسئولون في الحكومات الكردية السابقة يُعيَّنون انطلاقاً من معايير سياسية، وكانوا تالياً مسئولين أمام أحزابهم فقط. وبما أنّ الحكومة الحالية خرجت من حكم احتكاري دام نحو عقد، خبرتها قليلة في المساءلة والشفافية. كما أنّ دور الأحزاب السياسية الكردية غير "الاتّحاد الوطني الكردستاني" و"الحزب الديمقراطي الكردستاني" يتراجع. فهذه الأحزاب الأصغر حجماً تعتمد مالياً أو سياسياً على الحكومة، وتالياً إمّا يجري استيعابها في تحالفات أو إسكاتها من خلال الضغوط.

لكنّ الاستياء الشعبي المتزايد ربّما يعني أنّ حكومة إقليم كردستان ستضطرّ قريباً إلى معالجة أدائها السيّئ. على غرار باقي العراق، يعاني كردستان من نقص في الغاز والكهرباء. وقد اندلعت تظاهرات وثورات ضدّ الفساد والنقص في الخدمات، في مختلف أنحاء الإقليم في ربيع وصيف 2006، حيث اتّهم المتظاهرون المسئولين في الأحزاب بأنّهم يستولون على أرباح الفورة في إعادة البناء. وأدّى اليأس من إيجاد فرص عمل إلى موجة جديدة من الهجرة بين الشبّان والمثقّفين.

علاوةً على ذلك، يطالب مجتمع أهلي ووسائل إعلام تزداد حيويةً، بحكم أكثر تجاوباً. على الرغم من أنّ السواد الأعظم من وسائل الإعلام ما زال خاضعاً لسيطرة الأحزاب، يزداد عدد قرّاء الصحف المستقلّة القليلة ومستمعي المحطّة الإذاعية المستقلّة الوحيدة. هذه الوسائل الإعلامية الحرّة التي تحظى بدعم من المنظّمات غير الحكومية المحلّية والدولية، هي بمثابة ناطقة باسم الرأي العام، وقد أثارت مسائل كانت تُعتبَر من المحرّمات في السابق.

حاجة كردستان العراقي إلى الاستثمارات الأجنبية هي حافز مهمّ آخر لتحسين الحكم وكبح الفساد. من المتوقّع أن ينتج كردستان النفط بحلول نهاية 2006. وقد أغضبت التعليقات التي صدرت حديثاً عن وزير النفط العراقي والتي شكّك فيها بشرعيّة الصفقات النفطية لحكومة إقليم كردستان، السلطات الكردية ووُصِفت بأنّها تقوِّض الجهود التي يبذلها الإقليم لاستقطاب المستثمرين. من المرتقب أن يصدّق البرلمان الكردي الذي سبق أن أقرّ قانوناً جديداً للاستثمار، مشروع قانون نفطياً يقرّ بأنّ خطر الفساد قائم فعلاً.

من الناحية الإيجابية، يتمسّك الأكراد – سواء كانوا رسميّين أم لا – بملكيّتهم لإقليمهم. حتّى العدد الكبير من المسئولين الرسميين المتّهمين بأنّهم أصبحوا فاحشي الثراء بين ليلة وضحاها، يستثمرون الثروة التي جنوها حديثاً في الإقليم بدلاً من إخفائها في المصارف الغربية. وتبدو حكومة إقليم كردستان مستعدّة لمحاولة التجاوب مع المطالب المتزايدة بتحقيق الشفافية والحكم الجيّد. وتشمل الخطوات التي اتّخذتها الحكومة الحالية في الاتّجاه الصحيح تعيين تكنوقراطيّين بدلاً من سياسيين في المناصب الوزارية، واستخدام غربييّن ومغتربين عادوا إلى الإقليم للعمل مستشارين في بناء المؤسّسات، وجمع البيانات المحدَّثة لكلّ القطاعات والتدريس في الجامعات.

على الرغم من أنّ الاتّفاق بين "الحزب الديمقراطي الكردستاني" و"الاتّحاد الوطني الكردستاني" يملي عليهما تشكيل لوائح مشتركة في انتخابات 2007، يجب أن يقدّم الحزبان برامج منفصلة ويتنافسا بصورة ودّية من أجل تشجيع المساءلة. وينبغي عليهما أيضاً أن يتقبّلا المجموعات المعارِضة الأخرى. أصبحت السياسة الكردية بعد صدّام أكثر انفتاحاً وتطلّعاً نحو الخارج، لكن ما زال هناك مجال لتنظيف البيت الداخلي كما يجب.

بلال وهّاب عضو في برنامج "فولبرايت" للمنح الدراسية من كردستان العراقي، مسجَّل في الجامعة الأميركية بواشنطن.