بعد خمس سنوات على هجمات 11 سبتمبر والتي أطلقت تدخل الولايات المتحدة، الوضع في العراق قاتم والسياسة متدهورة. فالتغيرات المستمرة في طبيعة الصراع أضرت بجميع الإجراءات التي أدخلتها إدارة بوش. وبينما يبدي الرئيس جورج و. بوش تصميما على البقاء في العراق إلى أن يستقر البلد، فليست له سياسة لمعالجة نزاعاته المتعددة. المشكلة تتخطى الإدارة الحالية: فلا الحزب الديمقراطي، ولا على مستوى أوسع، مستوى الخبراء في الجماعة السياسية لديهم إجابات. كلهم ممزقون بين إدراك أن استمرار وجود الولايات المتحدة لا يستطيع حل النزاعات والخوف من أن سحب قوات الولايات المتحدة يمكن أن يؤدي إلى الفوضى. ضاعت آمال إدارة بوش في أن يكون العراق إلهاما ديمقراطيا في الشرق الأوسط؛ الآن يأمل معظم المسئولين الأمريكيين في مجرد خروج مشرّف من البلد.

عندما اجتاحت الولايات المتحدة العراق في 2003، كان النزاع بسيطا: ذهبت الولايات المتحدة إلى الحرب ضد نظام يعتقد أنه مسلح بأسلحة الدمار الشامل على نحو خطر ويدعم منظمات إرهابية. انتهى ذلك النزاع بسرعة. وفي أول مايو 2003 كان بوسع بوش أن يعلن "تحققت المهمة." في الحقيقة كان نظام صدام حسين قد انتهى.

لسوء الحظ، ما لبث نزاع جديد أن اندلع: مواجهة لا متماثلة بين العسكريين الأمريكيين والمتمردين السنة. في البداية اعتقدت الولايات المتحدة أن التمرد مكون من عدد صغير نسبيا من أنصار نظام صدام حسين المتشددين، مصممون على المقاومة، إنما مكتوب عليهم الهزيمة. على ذلك وضعت إدارة بوش إستراتيجية من شقين: عسكري وسياسي. عسكريا، قررت أن تعدّل التسليح من الحرب التقليدية إلى تكتيكات مواجهة التمرد وفي الوقت نفسه أن تبدأ برنامجا كبيرا للتدريب لبناء مؤسسة عسكرية عراقية وقوة شرطة جديدتين. سياسيا، وضعت عملية انتقال مركبة ـ بما فيها دستور جديد وعمليتي انتخاب واستفتاء ـ كي تقيم حكومة ديمقراطية جامعة من شأنها أن تكسب موالاة العراقيين جميعا وتعزل المتمردين السُنة وتحقق استقرار البلاد. ومع تدريب قوات أمن عراقية جديدة، فإن إقامة حكومة شرعية سيتيح للولايات المتحدة أن تنقل العمليات الأمنية إلى العراقيين، وتحتفظ بقواعد دائمة في البلاد فقط كشبكة أمان ضد الأعداء في المنطقة، على نحو ما فعلت في ألمانيا أثناء الحرب الباردة.

فشلت الإستراتيجية لأن النزاع تغير مرة أخرى. من نزاع ذي طرفين بين قوات الولايات المتحدة وأنصار صدام السابقين، تحول إلى شبكة معقدة من النزاعات تشمل أنواعا من الجماعات السُنية والميليشيات الشيعية والجهاديين الأجانب. لم يخمد التمرد السُني بل نوّع تأييده الداخلي واجتذب جهاديين أجانب و خلق تهديدا إرهابيا لم يوجد من قبل في العراق. انقسم الشيعة إلى جماعات متنافسة، بعضها معادٍ صراحة للولايات المتحدة. أنشأت المجموعات كلها ميليشيات وتغلغلت في القوات الأمنية الجديدة، خصوصا الشرطة. رحب الأكراد باحتلال الولايات المتحدة، لكنهم في النهاية ضيعوا هدفها في بناء عراق ديمقراطي موحد، بإصرارهم على حكم ذاتي كامل وعل دستور حوّل الحكومة المركزية إلى صدَفة فارغة إلى حد كبير
.
نتيجة لتلك التغيرات في طبيعة الصراع، فشلت العملية السياسية (الناجحة من وجهة نظر فنية إجرائية) في خلق حكومة قوية وفي تحقيق استقرار البلاد. أجريت عمليتا انتخاب واستفتاء واحد برغم ظروف غير عادية في صعوبتها، وأبدى العراقيون تصميما عظيما وشجاعة في الخروج للاقتراع. لكن الحكومة التي تمخضت عنها هذه العملية المرهقة كانت ائتلافا هشا من أحزاب ذات برامج متعارضة تترأس بلدا منقسم انقساما عميقا على خطوط طائفية وغير قادرة على استعادة الأمن لأن الشرطة والجيش ليسا قوات منظمة إنما تجمعات من الميليشيات تتلقى أوامرها من جماعات مختلفة.

حتى الآن لم تضع إدارة بوش سياسة لمعالجة هذا الوضع المركب. فالسياسة التي ما زالت تتبعها ـ الاستمرار في مقاتلة المتمردين مباشرة بينما تدرب القوات العراقية إلى أن تستطيع تولي المهمة بنفسها وفي الوقت نفسه تقنع سُنّة آخرين بالمشاركة في الحكومة ـ كانت مصممة للتعامل مع تمرد محدود من أنصار نظام صدام المتشددين، لا مع النزاعات الطائفية المتعددة التي ترهق العراق اليوم وتقسّم قوات الأمن بقدر ما تقسّم بقية المجتمع.

تبدو إدارة بوش مصممة على البقاء في العراق إلى أن يتحقق استقرار البلاد، رغم التشكك العام المتزايد في سياسة الولايات المتحدة حيال العراق وفقدان التأييد للرئيس والحزب الجمهوري في عام انتخابات. لكن بدون سياسة تعالج نزاع اليوم، لا نزاع الأمس، فإنه ليس من المحتمل أن يترافق التصميم مع النجاح. وبدلا من أن يكون العراق هو الريح التي تدفع شراع الديمقراطية في المنطقة، أصبح حجر طاحونة ـ إلى جانب سياسة الولايات المتحدة حيال فلسطين والآن لبنان، يجذب برنامج الرئيس بوش للديمقراطية إلى الأسفل.

مارينا أوتاواي كبيرة باحثين بمؤسسة كارنيغي للسلام الدولي.