لا بد من مراجعة المشهد الحياتي وليس طرح النظريات التقليدية أو العصرية لمعرفة واقع ومستقبل العلاقات فيما بين الإسلاميين والعلمانيين في الحالة الفلسطينية، بل المسألة تتطلب قراءة عميقة ومقارنة لمجموعة من المشاهد الاجتماعية وفي أماكن مختلفة وعبر مراحل زمنية متقاربة لغايات فهم ومعرفة حقيقة هذه العلاقات؛ وبذلك، يمكن الاجتهاد في طرح "نظريات" أو "رؤى" يستند عليها للحكم والتقييم لهذه العلاقات وأيضاً مستقبلها.

لا يختلف اثنان، أن الثقافة الإسلامية في المجتمع الفلسطيني ذات جذور تاريخية عميقة وتشكل تراث أخلاقي ذو أثر في الحياة اليومية للناس وعلاقاتهم مهما تعددت توجهاتهم الفكرية أو اتسعت فجوة التباين في مواقفهم السياسية وانعكس ذلك على أنماط سلوكهم الاجتماعي خاصة فيما بين أوساط الطبقة الوسطى والتي تشكل غالبية المجتمع الفلسطيني.

في الحالة الفلسطينية، تختلف العلاقات عن تلك العلاقات السائدة في المحيط الإقليمي العربي، وذلك بسبب تدخل عامل خارجي وبشكل حاد ومتواصل عبر ثلاثة عقود، أصبح بعدها عاملاً داخلياً ممثلاً في ثلاثة أمور: الأول: سياسات وممارسات الاحتلال العسكري الإسرائيلي باعتباره قوة قاهرة تفرض على الناس تغييرسلوكهم اليومي وبالتالي انعكاس ذلك على العلاقات فيما بينهم، والأمر الثاني: ثقافة المجتمع الإسرائيلي وخاصة تصاعد التيار الديني اليهودي وتعدد وجوه ومظاهر التيار العلماني الأوروبي والتي دخلت بكلا الوجهين بيوت الناس بعدة أدوات وبشكل حاد ومتواصل. والأمر الثالث: العصرنة أو التحديث والذي ساهم إلى حد ما في توسيع الفوارق الاجتماعية، خاصة بين مجتمع المدنية (الغني) والذي يتمتع بخدمات ووسائل عصريه، وبين مجتمع القرية (الفقير) الذي يفتقد الكثير من الخدمات وغدا محاصراً ومعزولاً جغرافياً وتغادره "النخبة المتعلمة" بحثاً عن لقمة العيش. هذه العوامل، فرضت على الناس، بغض النظر عن موقعهم كإسلاميين أو علمانيين، التأقلم كل بطريقته لتجاوز هذه الصدمات الإسرائيلية والمحافظة على تراثهم دونما صدام فيما بينهم أو صراع قد يسقطوا فيه جميعاً!

لقد اقتربت التيارات الإسلامية، من هذا الواقع لتنتقل من المرحلة الرمادية (الانغلاق) الى المرحلة البيضاء، (العلنية) ومن العمل الذاتي المغلق الى العمل العلني في الوسط الاجتماعي العام.
ومن المشاهد أو المظاهر على بعض صيغ التعايش فيما بين الإسلاميين والعلمانيين والتي أصبحت عادات اجتماعية، انتقال "بيت العزاء" الى قاعة بلدية ما بدلاً من بيت الفقيد أو أهله، (مثالاً بلدية البيرة) وحضور المعزيّن رجالاً ونساءاً معاً للعزاء وكأنه صالون اجتماعي يلتقون فيه بمناسبة حزينة يعبرون خلالها عن مشاعرهم وتواصل أمورهم وعلاقاتهم الحياتية ولكن دونما مقرئ أو تسجيل لآيات القرآن كمجتمع عربي إسلامي كما هو متبع في مثل هذه المناسبات منذ عقود وكأننا أمام ظاهرة جمهرة مسلمين وليس مجتمع إسلامي، وفي نفس الوقت وعند الإسلاميين تشاهد سرادق خاص، على الطريقة المصرية، يستعمل كبيت عزاء يحضره الرجال دون النساء، ويقتصر على تلاوة القرآن وتبادل العزاء، وكذلك في الأفراح، لدى العلمانيين، حفل مسائي مشترك وعلى الطريقة الأوروبية في حين لدى الإسلاميين، حفل غذاء خاص بالرجال أو حفل مسائي ينفصل فيه الرجال عن النساء، وقد يطرح تساؤل حول نتيجة هذه العادات الجديدة وكأنها مظاهر لبدايات الفصل المنهجي بين الدين والدولة، مع استمرار الحوار للنقد والمعارضة دونما محاسبة، لأن الناس تتقاطع مصالحها وتتواصل في تعايشها السلمي!

ولكن في بعض الحالات، هناك اختلاف في الرؤى والمواقف، فعلى سبيل المثال، في احدى قرى رام الله، هناك جامع لكل الناس، وآخر فقط لحماس! يلقي إمام المسجد الأول، خطبة الجمعة حول أحوال المجتمع في خطاب معاصر، في حين يلقى أمام المسجد الثاني خطبة الجمعة حول أن "الإسلام هو الحل"، وكأن الإسلام مهدد وأن هناك مؤامرة ضد المسلمين وهي كلمة حق يراد بها باطل أي أن رسالة الخطيب هي الوصول الى الحكم وليس فكرة أسلمة الحياة والمعرفة والعلوم بل أسلوب الإسلامي السياسي لطرح الحلول لقضايا الصراع مع الاحتلال.

ولكن هناك من يمتلك المناعة معتمداً على روئ عقلانية وثقة ذاتية بالرغم من حضور رقابة اجتماعية واسعة، كان ذلك في حادثة خروج عدد من الشبان من أحد المساجد في البيرة أثناء إلقاء خطبة الجمعة، ذلك احتجاجاً على موقف سياسي للخطيب ضد مشروع الاستفتاء الفلسطيني على وثيقة الأسرى، وقوله بأن ذلك "حرام"!، وقد يكون أمراً مشابهاً في عدم دخول شخصيات علمانية مسجداً آخر أثناء صلاة الجنازة على احد رفاقهم وانتظارهم في الخارج. وعدم تعرض او اعتراض الإسلاميين على ذلك، بل انضمامهم لمسيرة مشتركة للجنازة دونما تفريق بين من أدى الصلاة وبين من لم يفعل ذلك!

ولكن أوجه الخلاف الذي كاد ان يؤدي الى صدام، تمثل في حادثة قرار مجلس بلدية قلقيلية (الإسلامي) بمنع إقامة حفل غناء ساهر يشارك فيه جميع شرائح المجتمع وكذلك طلاء نوافذ وأبواب عمارة البلدية باللون الأخضر تعبيراً على سيطرة الإسلاميين عليه! ومظهر جديد آخر حين تشارك النساء مع الرجال في موكب عزاء أحد الشهداء.

ولكن تبقى الفجوة بين العلمانيين والإسلاميين بالرغم من مظاهر التعايش السلمي بينهما كلما اتسعت قاعدة الاتجاه الإسلامي في أوساط الطبقة الوسطى الأكثر معاناة، وكلما انحصر دور المثقفين العقلانيين في التأثير على الرأي العام خاصة عندما تتحول الخلافات في المواقف السياسية إلى أسلوب التكفير والتخوين أو التحريم!

مهدي عبد الهادي مدير الجمعية الفلسطينية الأكاديمية للشؤون الدولية – القدس ومأسسها