من بين غرائب عملية الإصلاح السياسي المجمدة في مصر أنها مرتبطة ارتباطا لا فكاك منه بمستقبل المتطلع إلى الرئاسة جمال مبارك البالغ من العمر 42 عاما. يقدم مبارك الصغير نفسه كإصلاحي ذي توجه غربي. وقد رعى في الحقيقة بعضا من الإجراءات الملحوظة للتحرير الاقتصادي والسياسي. في الوقت نفسه، قد يعتبر كثير من المصريين صعوده إلى الرئاسة في النهايةـ الذي ينظر إليه في مصر على نطاق واسع على أنه أمر واقع ـ نقيضا للإصلاح السياسي الأصيل وللمنافسة.

 

حتى من قبل دخول حركة "كفاية" إلى حيز الوجود في أواخر 2004، كانت الشعارات المناهضة لمبارك ولجمال مبارك تُسمَع في المظاهرات. فبدءا من التعبئة ضد إعادة إسرائيل احتلال الضفة الغربية في ربيع 2002, واستمرارا خلال المظاهرات ضد حرب العراق في 2003، كثيرا ما أصبحت المظاهرات التي كانت تنظم حول مسائل خارجية أو إقليمية ، فرصا للتعبير عن المشاعر المناهضة للنظام.

أصبح الانتقاد العلني للرئيس ولجمال أكثر تحديدا مع ازدياد عدد الصحف المستقلة في مصر. ولا تكاد تُترك مناسبة لانتقاد ابن الرئيس ولا يكاد يمضي يوم بدون موضوع واحد على الأقل عن جمال على الصفحة الأولى. مثلا، كانت رحلة جمال مبارك إلى واشنطن في مايو، التي زُعم أنها سرية، يوما مشهودا عند الصحف المستقلة. كان العنوان العريض لصحيفة الأهالي اليسارية "مبارك يقدم لأمريكا اختيارا: جمال أو الإخوان المسلمين". وأعلن العنوان العريض لـ "الأسبوع (مستقلة اسما لكنها وثيقة الارتباط بأجهزة الأمن) "سر زيارة جمال مبارك الغامضة", ما يعكس الاشتباه الشعبي في اجتماعات جمال مبارك مع الرئيس بوش ونائب الرئيس تشيني ووزيرة الخارجية كودوليزا رايس ومستشار الأمن القومي ستيفن هانلي. كما يظهر جمال في تغطيات الصحف المستقلة الأخرى مثل الدستور والفجروصوت الأمة ، إضافة إلى الصحيفتين اليوميتين الليبراليتين والأكثر مهنية،نهضة مصر والمصري اليوم. كما أن المعارضة لدور جمال مبارك متزايد البروز واحتمال خلافته، حفزت أيضا خلق حركات اعتراض في السنوات الأخيرة. فالحركة المصرية من أجل التغيير، المعروفة باسم "كفاية" والمنظمات العديدة التي تفرعت عنها، تأسست على شعار "لا للتمديد [لحكم الرئيس مبارك] ولا للتوريث، نعم للحرية". وحتى الحركات المستجدة التي تدور حول مسائل معينة، مثل حركة 9 مارس لاستقلال الجامعات المصرية، مكونة إلى حد كبير من أفراد معارضين علنا للخلافة بالتوريث.

 

كما أن "الإخوان المسلمين" أقوى حركات المعارضة وأكثرها شعبية، تعارض خلافة جمال، مثلها مثل أحزاب المعارضة العلمانية. فمؤخرا، أعلن المرشد الأعلى للإخوان المسلمين محمد مهدي عاكف أن منظمته "ترفض تماما" إمكانية أن "يرث" جمال الرئاسة. وفي تصريح في مايو الماضي، أبرز عاكف صورة جمال النخبوية، قائلا إن مبارك الصغير" لا علاقة له بالشعب ولا يعرف شيئا عن الشعب". وأدلى نائب المرشد الأعلى محمد حبيب بتعليقات مماثلة، مفسرا انقضاض الحكومة مؤخرا على المظاهرات بأنه تهيئة المسرح للفكرة المرفوضة تماما من جانب المصريين، التي هي الخلافة الوراثية.

 

في الجدل السياسي الطليق في القاهرة، أصبح مستقبل جمال مبارك شأنا يوميا. فمختلف الشخصيات العامة المتنوعة ـ من المعلق السياسي المخضرم محمد حسين هيكل، وناشط المجتمع المدني سعد الدين إبراهيم والشاعر الشعبي أحمد فؤاد نجم ـ أدلوا جميعا بتصريحات علنية عن احتمال خلافة جمال. في مناسبة بالجامعة الأمريكية في 21 مايو، سئل نائبا رئيس محكمة النقض محمود مكي وناجي دربالة عن سيناريو خلافة جمال. أجاب القاضيان بأنه لا اعتراض لديهما على أن ينتخَب جمال رئيسا طالما كان الانتخاب حرا ونزيها، لكن مجرد كون المسألة أثيرت في منتدى حول الحرية القضائية يكشف عن مدى تشابك الإصلاح السياسي مع جمال مبارك ومستقبل الدولة.

 

رغم الخلاف الدائر، إذا اختير جمال مبارك مرشحا للحزب الحاكم وخاض انتخابات رئاسية محكومة ، فلا شك أنه سيكسب. وستكون العملية قانونية حسب المادة 76 المعدلة من الدستور المصري. فإذا أُخذ في الاعتبار ضعف المعارضة وتردد الإخوان المسلمين في تحدي النظام مباشرة، فليس من المحتمل أن تؤدي المظاهرات التي لا بد منها إلى أي شيء أكثر من اضطرابات مؤقتة للنظام، يمكن التغلب عليها.

 

المسألة الأكبر هي أن قطاعات ذات مغزى من الجمهور لن ترحب بتنصيب جمال, ستعتبر توليه الرئاسة غير شرعي. ومن الصعب التنبؤ بالمشاكل المحددة التي ستنجم عن نقص الشرعية، وإذا ما كان خصوم جمال في المؤسسة العسكرية أو أجهزة الأمن سيستغلون وضعا من هذا القبيل. سيزداد احتمال المتاعب إذا أصبح جمال مبارك رئيسا في ظل الأوضاع المتوقعة حاليا دون حد لمدد الرئاسة ، دون خطة واضحة للإصلاح السياسسي والقليل من ما يمكن تحقيقه اقتصاديا لجمهور الناس.

سامر شحاتة أستاذ مساعد للسياسات العربية في "مركز الدراسات العربية المعاصرة" بجامعة جورجتاون. أمضى السنة الأخيرة في مصر يجري بحثا عن الإصلاح السياسي.