يعاني قطاع الإعلام السوري من الفصام. فمن ناحية، تعتبر المسلسلات التلفزيونية السورية الأفضل في العالم العربي وتتنافس رأسا لرأس مع نظيراتها المصرية الشهيرة. من الناحية الأخرى، تتقلب البرامج الإخبارية وبرامج الشؤون العامة في أزمة ممتدة يزيد من حدتها سياق جغرافي سياسي متزايد العداء والحرب الإعلامية السورية اللبنانية التي اندلعت بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري. دفع خبر أن قليلين من السوريين يشاهدون أخبار تلفزيون الدولة، بالكاتب السوري أنور القاسم إلى أن يعلق في صحيفة القدس العربي بأنه يبدو أن شعار التلفزيون السوري هو "لا أرى، لا أسمع، لا أتكلم". دفعت التحديات الخارجية وخسارة الجمهور إلى محاولات إصلاح الإعلام السوري، التي تركز على كل من بنيان القطاع ومظهر شاشة التلفزيون السوري. السؤال الآن هو إذا كان المسؤولون السوريون سيطبقون على الأخبار السياسات التي أنتجت دراما تلفزيونية ناجحة.

 

الدراما التلفزيونية السورية قصة نجاح مذهلة. فمنذ ثمانينات القرن الماضي قدم تلفزيون الدولة السوري ما لديه من مرافق الإنتاج إلى مخرجي القطاع الخاص مقابل حقوق العرض الأول. جذب هذا مخرجي الأفلام وكتابها الذين قاد تعليمهم في السينما الواقعية السوفييتية إلى أعمال فيديو مذهلة وحوار متماسك ومعالجة آسرة للموضوعات التاريخية. اجتذب هذا بدوره مبرمجي التلفزيون الخليجيين، الذين ملأوا برامجهم لشهر رمضان بالدراما السورية. جرّأت الأرباح المتزايدة واعتراف الصناعة على تناول مسائل خلافية معاصرة مثل الإرهاب والإيدز. هز هذا النجاح صناعة التلفزيون المصرية لكنه أيضا دفع ببعض الشخصيات المرموقة مثل أسامة أنور عكاشة، أبرز كتاب ومخرجي الدراما المصريين، إلى التعاون مع الممثلين والمخرجين السوريين.

 

لأن المسؤولين السوريين كانوا إما مترددين أو غير قادرين على أن يطبقوا على الأخبار والشؤون الجارية دروس قطاع الدراما، فإن الأخبار السورية متأخرة كثيرا. في أعقاب اغتيال الحريري في فبراير 2005، اتهمت شبكات التلفزيون اللبنانية مثل "المؤسسة اللبنانية للإرسال" و"تلفزيون المستقبل" سورية بدور في اغتيال الحريري. وبالإضافة إلى المركز المتقدم للمحطات الأرضية لكل من المؤسسة اللبنانية للإرسال وتلفزيون المستقبل في المشهد التلفزيوني في لبنان، فإن لهما قنوات فضائية ذات نفوذ لها وجمهور كبير من السوريين والعرب. التلفزيون السوري، بجمهوره الصغير، ليس ندا.

 

بينما انجذب السوريون، مثل معظم المشاهدين العرب إلى برامج المؤسسة اللبنانية للإرسال الترفيهية، كانوا مدركين لسياستها المعادية تاريخيا لسورية. جاءت المفاجأة من تلفزيون المستقبل، الذي تحول خطه التحريري الذي كان حتى ذلك الحين مراعيا لسورية، إلى العداء في أعقاب الاغتيال. ففي نشراته الإخبارية وبرامجه الحوارية وأشرطته الموسيقية الوطنية وتقريبا البرامج الأخرى كلها، أصبح تلفزيون المستقبل ناقدا متفرغا للنظام السوري. هادما إرساله الأرضي والفضائي ليصبح بلا مواربة "تلفزيون الحريري". فلا غرابة إذن في أن الصحف تحدثت عن "طلاق" بين تليفزيون المستقبل والجمهور السوري.

 

استجابة لتلك التطورات، أعلن المسؤولون السوريون "خطة شاملة لتحديث العمل الإعلامي"، ذكرت في القرار النهائي لمؤتمر حزب البعث في الصيف. قبل المؤتمر، صرح وزير الإعلام آنذاك مهدي دخل الله (صحافي سابق) أن الصحف السورية "لا تُقرأ"، وضغط على مدير الرقابة كي يستقيل، ودعا الصحافيين إلى الإصرار على "حرية التعبير" وأن يتخلوا عن "لغة المواجهة". وأعلن دخل الله أن الإعلام السوري في حالة انتقال من "الإعلام الإداري" إلى "إعلام ذي هدف".

 

تشمل الإصلاحات الهيكلية في الخطة إنشاء مدينة إعلام سورية في ضواحي دمشق، والسماح بقنوات تلفزيونية فضائية خاصة تعمل ضمن قيود، والسماح بمحطات إذاعة FM خاصة، وتعيين عدد متزايد من النساء في مراكز رئيسية في القطاع. وأعلنت مدير التلفزيون السوري التي عُيّنت حديثا ديانا جبور (امرأة مسيحية ليست عضوا في حزب البعث)، أن مهمتها أن "تجعل الشاشة جسرا بين المواطنين والدولة". واشتملت الخطوات الأكثر جرأة السماح بوجود محدود ومحكوم للكتاب السوريين المعارضين في الصحف الرسمية (الكتاب الذين ينتقدون الفساد وليس النظام أو العسكريين أو أجهزة المخابرات).

 

بينما يبدو أن الإصلاح الهيكلي يكسب قوة دفع، كانت جهود تحسين صورة الشاشة تجميلية في معظمها. ففي مارس، تلقى موظفو المؤسسة السورية للإذاعة والتلفزيون مذكرة تفصّل "المقاييس الدولية" لمظهر مديري البرامج، والضيوف والمقدمين. وإلى جانب حظر التجميل القوي للنساء، نصت التوجيهات على أن وزن مديري البرامج التلفزيونية لا يجوز أن يزيد عن الرقمين الأخيرين من طولهم، وعلى ذلك فإن مقدم نشرة أخبار طوله 160 سنتيمترا لا يجوز أن يزيد وزنه عن 60 كيلوغراما. من المشكوك فيه أن يدوم العمل بمثل هذه التغييرات، حيث يبدو أنها مستوحاة من قنوات التلفزيون اللبنانية (المعروفة باستخدام النساء كعوامل جذب بصرية) أكثر مما هي مستوحاة من تجربة الدراما التلفزيونية السورية، التي يقوم نجاحها على التجديد الفني والسياسي.

 

مروان م. كريدي أستاذ مساعد للعلاقات الدولية والاتصال الدولي في الجامعة الأمريكية في واشنطن، وباحث في مركز وودرو ويلسون الدولي للأكاديميين في واشنطن. وهو يكتب كتابا عن التأثير الاجتماعي والسياسي لتيفزيون الواقع العربي.