بدأ عدد من التحولات إلى الديموقراطية في العقود الأخيرة عندما خسرت حكومة سلطوية في انتخابات كانت صممتها لضمان استمرار قبضتها على السلطة. في الفلبين عام 1985، في شيلي عام 1988، في بولندا عام 1989، وفي يوغوسلافيا عام 2000، سلّمت القواعد السلطة بلياقة أو بدونها، بعد هزيمة مفاجئة في الانتخابات. في فلسطين في 2006 خسرت حركة فتح المسيطرة لزمن طويل أمام قائمة "التغيير والإصلاح" التي شكلتها حركة حماس الإسلامية.

 

أثناء الانتقال كان الاختلاف بين فتح وحماس أقل مما كان متوقعا، إلى حد كبير لأن الرئيس محمود عباس وأغلبية حماس راعوا ضميرهم إلى حد بعيد في الالتزام بالإجراءات. البرلمانيون الجدد ـ رغم أنهم بلا تجربة ـ درسوا بعناية الدستور والإطار القانوني واللوائح البرلمانية. على سبيل المثال، عندما اكتشفوا أن الوزارة المنصرفة لم تقدم موازنة للعام 2006 وأن السلطة الفلسطينية ستفقد سلطتها في إنفاق الأموال، رفضوا تجاهل المسألة (ما فعله البرلمان المنصرف كثيرا) لكنهم بدلا من ذلك عجّلوا تشريعا يسمح بتمديد. لكن ما زالت هناك بقع صعبة؛ فالأغلبية الفتحاوية المنصرفة من البرلمان حاولت تعجيل مجموعة من الإجراءات ( التي تتعرض الآن للطعن أمام المحاكم) واستدعى الرئيس الجديد للبرلمان المنتمي إلى حماس المدعين العامين للتحقيق في شبهات بالتزوير في مضابط البرلمان, ولم يتم حل المسألة الحرجة الخاصة بالسيطرة على أجهزة الأمن.

 

وكان ضبط النفس الذي مارسته حماس حيال الشؤون الداخلية، مفيدا. إذ وزعت رئاسات اللجان البرلمانية بين مختلف الأحزاب بدلا من أن تحتكرها الأغلبية. وبرنامج حماس التشريعي متواضع جدا في الوقت الحالي. ذكر النواب قليلا من القوانين التي يريدون إقرارها وعند الإلحاح عليهم، يكتفون بتذكر مسائل عامة لا مشاريع معينة. حتى في الأمور الدينية تبدو حماس حريصة على طمأنة الفلسطينيين أنهم لا ينوون أي تغيير مفاجئ. ناصر الشاعر، وهو أستاذ للشريعة الإسلامية ويعمل أيضا وزيرا للتعليم ونائبا لرئيس الوزراء، تخلى عن دعواته السابقة إلى حظر دستوري للقوانين التي تنتهك الشريعة الإسلامية, ويعد بأنه لن يكون هناك تغيير كبير في المناهج الدراسية.

 

تعد الحكومة الجديدة بأن تركز على الكفاءة والحكومة النظيفة وإنهاء الفوضى في الشوارع الفلسطينية. في الحقيقة يقول برنامج حكومة حماس القليل عن النضال والمقاومة و يجري القفزعن الإسلام والشريعة الإسلامية في صمت. لكن الفساد يدان ثلاث مرات وحكم القانون يذكر خمس مرات. وقد اجتذب البرلمان الجديد الاهتمام بإصراره على فترات أطول للصلاة أثناء ساعات العمل، لكن النواب أنفسهم يتحدثون عن الشفافية.والمشاكل الاقتصادية أكثر بكثير مما يتحدثون عن بيع الكحول أو ملابس النساء.

 

تواضع أهداف حماس يعكس قراءتها للمزاج العام. وبينما قد يرغب بعض أتباعها الأساسيين أن يروا أسلمة شاملة للمجتمع وعودة إلى ما تسميه حماس "مقاومة"، فإن الحركة كسبت الانتخابات بوعدها بالإصلاح والأمانة. كما تواجه حماس أيضا بعض القيود القانونية، حيث تحتفظ الرئاسة بسلطات معينة، وكون معظم البيروقراطية من اختيار فتح ومحمية بقانون قوي للخدمة المدنية.

 

بينما تجري الشؤون الداخلية بهدوء، فإن البيئة الدولية، على أي حال، تضع مجموعة ذات مغزى من العقبات. وقد تهاوت جهود حماس لجذب بعض الأحزاب الأخرى إلى الوزارة بسبب عدم استعدادها لتقديم تعهدات غير ملتبسة للالتزام بالاتفاقات الدولية السابقة أو بقبول سلطة منظمة التحرير الفلسطينية، التنظيم المتكلس إلى حد بعيد والذي ما زال يدعي ولاء الفلسطينيين له على نطاق العالم.

 

القصور الاقتصادي والمالي هو الأكثر إرهاقا. فالاقتصاد الفلسطيني يعتمد على القدرة على الدخول إلى الأسواق والموانئ الإسرائيلية؛ والموازنة تعتمد على الضرائب على السلع الواردة والتي تحصّلها بالفعل إسرائيل. كما تعتمد على المعونة الأجنبية. وقد واجه انتصار حماس المجتمع الفلسطيني بخسارة كل تلك الموارد الحيوية للنمو الاقتصادي وللموارد الحكومية. حتى الآن ما زال على حماس أن تقدم حلا يتجاوز تشكيلة من الشعارات, بما فيها ربط الأحزمة واستئصال إساءة استخدام الأموال العامة والمنح من الحكومات العربية والإسلامية الصديقة. وعندما يُسأل قادة الحكومة عن حلهم للأزمة المالية المستحكمة، يستطيعون بسهولة أن يحددوا أعمالا يجب أن يقوم بها الآخرون، لكنهم لا يذكرون حلولا عملية من عندهم.

 

إضافة إلى ذلك، ليس من الواضح إلى أي مدى يمكن أن يعيش التوقف في العنف الإسرائيلي ـ الفلسطيني, مع رفض حماس العنيد تليين موقفها, ومع التصميم الإسرائيلي على متابعة حل منفرد في غياب المفاوضات. فإغارة إسرائيل في الشهر الماضي على أريحا وتعهد حماس بأن لا تقمع العنف ضد إسرائيل من جانب الجماعات الفلسطينية الأخرى يشير إلى أن الديموقراطية الانتخابية الفلسطينية معرضة لتهديد ليس من المؤهلات الديموقراطية لحماس غير المؤكدة ـ الحقيقة أن خطاب الحزب ومواقفه ربما كانت أكثر ديموقراطية من أي حزب حاكم في العالم العربي ـ بل لتهديد من النزاع مع إسرائيل، الذي عمّقه كثيرا انتصارها الانتخابي.

 

ناثان براون مشارك رفيع في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي.