تتالت الأيام وتشابهت في شمال إفريقيا. سويعات فقط بعد إعلان السلطات التونسية عفوا رئاسيا عن عشرات الإسلاميين، أفرجت طرابلس عن كافة سجناء الإخوان المسلمين في ليبيا. تحريك ملف الإسلاميين شمل أيضا الجزائر حيث أطلقت السلطات المحلية سراح علي بلحاج ، الرجل الثاني في جبهة الإنقاذ الإسلامية.

 

ولئن أفرج عن بلحاج في إطار تطبيق "ميثاق السلم والمصالحة الوطنية" الذي تم تبنيه في سبتمبر الماضي عبر استفتاء وطني ، فإن السلطات التونسية ترفض الاعتراف بوجود مساجين إسلاميين ، معتبرة إياهم مساجين حق عام ممن تورطوا في أحداث عنف.

 

أما ليبيا، فتعتبر الإخوان جماعة إسلامية لم تمارس العنف مشددة على أنها تتبنى منهجا إصلاحيا في التغيير.

 

تتزامن هذه الأحداث مع إطلاق "مبادرة وطنية" في مصر للإفراج عن المعتقلين الإسلاميين. ويقف وراء هذه المبادرة قوى سياسية من آفاق وتوجهات مختلفة وهو ما يؤكد التفاف المجتمع المصري حول أهمية إرساء جو من الثقة والطمأنينة في المشهد السياسي الذي شهد تحولات عميقة تلت الانتخابات التشريعية الأخيرة التي عزز خلالها الإخوان مركزهم على حساب أحزاب المعارضة العلمانية. 

 

وتأتي هذه المبادرة عقب الكشف عن أن مجموعات من تنظيم الجهاد الموجودة داخل السجون المصرية أجرت مراجعات جذرية لمبادئها شملت التخلي عن فكرة تكفير المجتمع والحاكم والاعتذار للمجتمع عن جميع أعمال العنف. كما تتزامن مع حملة اعتقالات جديدة شنتها أجهزة الأمن المصرية على بعض قيادات وأعضاء جماعة الإخوان المسلمين.

 

هنا تكمن بالتحديد المعضلة. فمراعاة الإسلاميين للتطورات التي طرأت على الساحة العالمية منذ انطلاق الظاهرة الإسلامية في المنطقة ومسايرتهم لموازين القوى لم يقابله تغيير في تعامل الأنظمة الحاكمة معهم ، رغم أن التجربة أثبتت أن الإسلاميين كلما أتيحت لهم الفرصة للمشاركة في انتخابات لها قدر من النزاهة إلا وحصدوا مقاعد عديدة وحققوا إنجازات يحسدون عليها.

 

مراكز البحث الأكثر تأثير على دوائر صنع القرار في الغرب أكدت منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 على أهمية إدماج الإسلاميين في اللعبة السياسية وهز ما تتهرب منه الأنظمة الحاكمة في المنطقة ، متضرعة في ذلك – وهنا تناقض كبير – بالتزامها بالوقوف إلى جانب الإدارة الأمريكية في حربها على الإرهاب.

 

وعادة ما يقدم الإسلاميون – لا سيما في تونس – على أنهم إرهابيون. وهو ما أدى في حالات عديدة بالدفع إلى معتنقي الإسلام السياسي للتطرف والعمل على بث البلبلة والوصول أحيانا إلى تهديد أمن الدولة واقتراف أعمال عنف.

 

عودة الإسلاميين المعتدلين – الإخوان المسلمون ومكونات التنظيم الدولي – إلى الساحة السياسية في المنطقة أصبحت ضرورة تمليها عوامل داخلية وخارجية. وتعتبر المصالحة بين الأنظمة الحاكمة ومثل هذه التنظيمات النقطة الصفر لبداية مسار جديد.

 

لكن، كل ذلك لا يجب أن يخفي ضرورة أخرى لا تقل أهمية عن عودة الإسلاميين للفعل السياسي تتمثل في الإعداد لجو عام ملائم للعمل السياسي تكون فيه كل القوى السياسية طرفا ومسئولا. الاعتقالات والمضايقات لم تطل الإسلاميين فحسب بل شملت كذلك العلمانيين إلى جانب الزعامات النقابية ومناضلي حقوق الإنسان والحريات العامة.

 

ومن هنا يصبح العفو التشريعي العام وإلغاء القوانين الاستثنائية – كحالة الطوارئ في مصر – أمّ الضرورات لإرساء مجتمعات ديمقراطية تعكس الاختلاف الحقيقي الذي يثري المشهد السياسي في المنطقة.

 

الضغوط الأجنبية وإن تجري في مسار إدخال الإسلاميين للعبة السياسية فإنها لا تشدد على أهمية خلق مناخ سلمي يكفل لكل القوى السياسية حقها في الوجود والممارسة. وهو ما تعاني منه بالخصوص الأحزاب العلمانية خاصة وأن الإسلاميين استطاعوا التعامل مع الواقع. ففي مصر مثلا ، يترشح الإخوان المسلمون في قوائم مستقلة نظرا لكون جماعتهم محظورة.

 

إطلاق سراح الإسلاميين الأخير في دول شمال إفريقيا يجب أن تتبعه إعادة نظر في ماض مرير اختلطت فيه الأحداث على العموم وتراشقت فيه القوى السياسية المختلفة بالاتهامات وفحص دقيق لحاضر معقد يمكن للإسلاميين أن يلعبوا فيه دورا بارزا بالتوازي مع القوى الأخرى.

 

ولا يخفى على أحد الإرادة الأجنبية للمضي قدما نحو هذا المسار. ويرجح العديدون أن وزير الدفاع الأمريكي دونالد رمسفيلد قد لعب دورا كبيرا في الضغط على دول المنطقة خلال جولته هناك الشهر الماضي.

 

لكن تبقى الكلمة الأخيرة إلى الأنظمة الحاكمة التي تمسك بزمام الأمور. فالمصالحة تمر حتما بإرادة صانعي القرار في طي صفحة الماضي خاصة وأن الإسلاميين دفعوا ثمن تحركاتهم واستمالتهم للجماهير وامتحنوا في آلاف المتعاطفين معهم.

 

ولئن يعتبر البعض أن الكلام عن عودة الإسلاميين في دول مثل تونس والجزائر لا يزال سابقا لأوانه ، فإن كل المؤشرات تؤكد على أن هذه الدول ليست بمعزل عن التحولات العميقة التي يشهدها المشرق العربي. كما أن محرمات عديدة قد سقطت. فمجموعات الرفض الجديدة أصبحت تجمع العلمانيين والإسلاميين في صف واحد و يبرز ذلك بالخصوص من خلال حركة "كفاية" المصرية ونظيرتها التونسية "حركة 18 أكتوبر للحقوق والحريات".

 

الأولى حققت مكاسب كثيرة بكسر حاجر الصمت والخروج إلى الشارع للمطالبة بالتغيير ووقف مسار توريث السلطة، موظفة تواجد أبرز قادتها في مناصب مسؤولة في صحف ووسائل إعلامية عديدة.

 

أما الثانية فقد أعادت الأضواء إلى الساحة السياسية التونسية. فبعد جفاء طال لسنوات، أفاق الشارع التونسي من سباته العميق على نبض إضراب جوع شعاره "الجوع ولا الخضوع" وباطنه ائتلاف بين شيوعيين وقوميين وإسلاميين.

 

المصالحة تبقى إذن بعيدة كل البعد عن الواقع رغم أن المطلب شعبي. تعنت الأنظمة الحاكمة في المنطقة ورفضها المضي قدما لن يحجب عنا جوهر الموضوع : لا إصلاح من غير مصالحة. بعبارة أخرى ، لا صفحة بيضاء دون رد الاعتبار لمن هضمت حقوقه ، إسلاميا كان أو علمانيا.

 

بسام بونني – صحفي وباحث تونسي مقيم بالدوحة.