تَعِد الأسابيع القليلة المقبلة بأن تكون أسابيع فارقة في تاريخ العراق الحديث. فبعد أن اكتملت انتخابات ديسمبر بنجاح، يجب على الزعماء العراقيين أن يركزوا الآن على اتخاذ قرارات ستقرر ليس فقط كيف ستدار البلاد على مدى السنوات الأربع التالية، لكن كيف سيبدو العراق على المدى الأطول وإذا ماكان بوسعه أن يتجنب التفكك في حرب أهلية دامية.

 

وليس واضحا بعد إن كان الزعماء العراقيون، بقيادة رئيس الوزراء إبراهيم الجعفري، على قدر المهمة. لقد أداروا فترة انتقالية مدتها ثمانية عشر شهرا حسب الجدول المقرر، لكن كثيرا من الفضل في ذلك يجب أن يُنسب إلى المسؤولين من واشنطن ولندن. إضافة إلى ذلك، كانت العملية دوما تتخذ من النتيجة مقياسا لنجاح زعماء الولايات المتحدة وبريطانيا الحريصين على تبيان أن جهودهم تثمر في العراق.

 

سوف تتضح كلفة مسلكهم العملي مع اطراد ممارسة العراقيين عملية اختيار حكومة جديدة ومراجعة مجالات رئيسية في دستورهم الذي أُقر مؤخرا. فمع انقضاء المرحلة الانتقالية وعدم وجود احتمال لجولة جديدة من الانتخابات لعدة أشهر، أصبحت الرهانات الآن أعلى. فالأحزاب السياسية تلعب للمحافظة على مراكزها، وهي تعرف أن أمامها فرصة لصياغة سياسة العراق واقتصادها لمصلحتها.

 

إذا كان للعراق أن يستقر، فسيكون زعماؤه الجدد بحاجة إلى تحقيق هدفين. الأول، عليهم أن يتوصلوا إلى صيغة لمصالحة وطنية حقيقية تمنح الجماعات العراقية المختلفة جميعا (الجماعات الأيديولوجية مثلما الجماعات الإثنية والطائفية) حصة في مستقبل البلاد. والثاني، عليهم أن يقيموا دولة فعالة قادرة على الوفاء بتوقعات الأهالي.

 

لا تبشر السوابق بخير لأي من الهدفين. فالقول إن العراق يفتقر إلى نيلسون مانديلا الخاص به يعبر عن أقل من الحقيقة. فالزعماء السياسيون تبنوا دائما معادلة صفرية في المساومة السياسية، معتبرين الحل الوسط ملجأً أخيرا. وعندما كانت الولايات المتحدة هي التي تدير اللعبة كان بوسعها أن تصر على توافق بين الجماعات المختلفة، على نحو ما فعلت في التفاوض على قانون الإدارة الانتقالية. أما الزعماء العراقيون فقد كانوا أقل انسجاما عندما يُترَكون وشأنهم. لقد توصل التحالف العراقي الموحد الذي يقوده الشيعة والتحالف الكردي إلى ترتيبات عملية، لكن فقط بالاتفاق على عدم الاتفاق. والزعماء الأكراد قانعون بمسايرة إصرار الشيعة على حكم الأغلبية والمزيد من الإسلام في الحكومة طالما لا ينطبق هذا على منطقتهم. وكانت الجماعتان على استعداد لإدخال ممثلين عن الجماعة السُنية العراقية طالما يقبلون بوضع يهدد بتهميش مصالحهم في المدى الطويل.

 

هذا بعيد جدا عن التماسك الوطني المذكور في الإستراتيجية الوطنية للنصر في العراق التي تتبناها إدارة بوش، والتي يعمل السفير زالماي خليل زاد بدأب على تحقيقها. فعلى خلاف معظم سابقيه، يبدو أن خليل زاد يدرك أن مجرد إقرار الحصص الصحيحة للجماعات لن ينتج استقرارا. إن إيجاد ائتلاف حاكم يعكس قوسا عريضا من الآراء السياسيةـ ويمنحها جميعا أوزانا متساوية ـ أمر أساسي ، حتى لو كان يعني إدخال بعض غير المرغوبين.

 

البديل هو تصاعد عنف متقطع إلى حرب أهلية كاملة وتفتيت العراق في نهاية المطاف على خطوط إثنية وطائفية. هذه النتيجة ليست حتمية تاريخية كما زعم البعض. فحتى الآن، باستثناء المنطقة الكردية، يوجد حس قوي بالهوية العراقية. بالتأكيد، أصبحت الحياة السياسية مبنية أكثر على الطائفة والعرق، على نحو ما أظهرت الانتخابات الأخيرة، لكن جزءاً من هذا كان ردا طبيعيا على التفكيك الفعلي للدولة بعد أبريل 2003. فافتقار الجماعات المحلية إلى مؤسسات وطنية توفر الأمن والخدمات، جعلها معرّضة للأحزاب الطائفية والعرقية المسلحة التي شغلت الفراغ.

 

إمكانية إحياء مؤسسات الدولة العراقية ستكون لها بالنسبة لاستقرار العراق أهمية تعادل أهمية الوفاق السياسي. بدءاً من "سلطة التحالف المؤقتة"، فإن الحكومات التي تعاقبت بعد الحرب ـ بما فيها حكومة الجعفري الأخيرة ـ فشلت في توفير المتطلبات الأساسية لحياة العراقيين. وخلق مؤسسات فعالة وطاقة إدارية لم تكن أولوية لدى الزعماء السياسيين، العراقيين أو غيرهم. وبدلا من ذلك أصبحت مكاتب الوزارات في بغداد والمحافظات إقطاعات ممتدة للأحزاب السياسية.

 

إذا بقي الوضع دون حل، فإنه يهدد بإنتاج نوع مختلف من الإحساس بالحرمان من المشاركة بين العراقيين، إحساس لا ينبني على هوية الجماعة إنما سخط جماعي على النظام السياسي كله. ولن تحل اللامركزية هذه المشكلة إذا كانت الإدارات المحلية مجرد مصغّرات لنظائرها الوطنية. لقد أبدى العراقيون في الماضي قدرا هائلا من الصبر على زعمائهم السياسيين، كما أبدوا تفاؤلا دؤوبا في وجه العُسر. لكن ما لم يظهر زعماؤهم علائم عملية لتحسين حياة الأهالي، فإن صبر العراقيين سينفد، بعواقب كارثية.

 

رعد القادري مدير الشرق الأوسط وأفريقيا في جماعة استراتيجيات البلدان في شركة PFC Energy في واشنطن.