كان كل من الانتخابات العراقية الثلاثة في 2005 حدثا تاريخيا: الانتخابات الحرة والشفافة الأولى في 30 يناير 2005،والاستفتاء الأول لإقرار دستور في 15 أكتوبر، والآن الانتخابات الأولى لاختيار حكومة دائمة في 15 ديسمبر. حصل العراق على مظاهر الديموقراطية، بما فيها برلمان وحكومة منتخبة وصحافة حرة وأطر مؤسسات ديموقراطية. ولديه أيضا تنافسات طائفية وعرقية عميقة وتحالفات سياسية غير مستقرة وصفقات وراء أبواب مغلقة وفساد مؤسس ومحسوبية، وهو ما يحدث أحيانا في البلدان الديموقراطية.

 

للعراقيين آمال كبيرة في أن الدستور والانتخابات المفتوحة نسبيا سيأتيان بعصر جديد من السلام ينهيان التمردات ويوفران مزيدا من الأمن واستراتيجية لخروج المحتلين. في ظل حكومة الرئيس جلال طالباني ورئيس الوزراء إبراهيم الجعفري المؤقتة الحالية، كانت الحكومة الفيدرالية قريبة من الشقاق، دون قدرة على كبح شراهة وزرائها ودون محاولة لمنع تسييس جميع وظائف الحكومة وأفعالها. لكن كل جماعة حددت بالفعل مجموعة من المطالب غير القابلة للتفاوض في ما يخص الحكومة المرتقبة.

 

·        فالطائفة الشيعية التي تمثل ما بين 55 و60 بالمائة من السكان، تطالب بحكم الأغلبية وحظر على البعثيين في الحكومة ، كما أن البعض يحبذ إنشاء دولة حكم ذاتي تضم المحافظات التسع التي يشكلون الأغلبية فيها. ولغرض الوصول إلى توافق على تبني الدستور، وافقوا على تسوية تقول إن الإسلام سيكون مصدرا للتشريع. لقد تحالفوا مع الجماعات الكردية حول عدد من المسائل البرلمانية، لكن الشيعة ليسوا كتلة متجانسة، فقد انضم منهم من يحبذون حكومة علمانية إلى أحزاب سياسية جديدة.

 

·        وكان الأكراد مقدامين على وجه الخصوص بشأن الحكم الذاتي للمحافظات الثلاث التي يشكلون فيها أغلبية. وهم مصممون على الاحتفاظ بسلطة إقليمية قوية وحكومة مركزية ضعيفة والإبقاء على ميليشياتهم واستبعاد العسكريين ورجال الأمن غير الأكراد من أراضيهم. وبعد أن هزمت في الاستفتاء محاولتهم إدخال خريطة لكردستان موسّعة ( تشمل كركوك وحقول النفط)، يمضون في خطتهم لإخراج العرب من منطقة كركوك وتوقيع عقود لتطوير حقول النفط الشمالية. وهم يفضلون عراقا علمانيا دون بعثيين سابقين، لكنهم في الحقيقة قليل الاهتمام بما يحدث خارج الأراضي التي يطالبون بها في الشمال. ويضغط الأكراد الذين يشكلون نحو 20 بالمائة من السكان لكنهم يستحوذون على 35 بالمائة من مقاعد البرلمان الانتقالي، بشدةلتحقيق مطالبهم الآن، مدركين أنهم سيكونون أقل في البرلمان الجديد.

 

·        ويشير العدد الكبير من العرب السُنة الذين سجلوا أنفسهم للانتخابات البرلمانية، إضافة إلى التحول إلى الانتخاب على أساس الدائرة، إلى أن السُنّة (20 بالمائة من سكان العراق) سيتساوون مع الأكراد في عدد المقاعد في البرلمان الجديد. ويريد السنة العرب تحديد هوية العراق كبلد عربي ومسلم، ذي جيش قوي وحكومة تسيطر على الموارد الوطنية جميعا. وهم يعارضون إنشاء ولايات من المحافظات ويريدون حظر جميع الميليشيات وإنهاء الحظر على البعث فيما عدا المتهمين بجرائم محددة. وقد أدرج بعض هذه المطالب في لقاء القاهرة بين الجماعات العراقية مع الجامعة العربية بالقاهرة في نوفمبر، ما قد يفتح الطريق إلى مؤتمر للمصالحة الوطنية في الربيع.

 

ضمن المهمات الضرورية الأخرى أمام الحكومة سيكون بناء حكم مستقر وشفاف قائم على الجدارة وليس على المحسوبية. وليس هناك من يتوقع أن يكون العراق كاملا، ولكن من المرغوب أن يمكن احتواء الفساد للحيلولة دون تدمير الحكومة أو نهب الخزانة أو تحويل عائدات النفط إلى النفع الخاص. من شأن هذا أن يتطلب حكومة مركزية أقوى مما يسمح به الدستور الراهن، وهيئات رقابة مستقلة لمراقبة رجال الحكم وهيئاته، وقضاء مستقلا.

 

وبينما توازن القوى في البرلمان الجديد ليس مؤكدا بعد، فالواضح أن الديموقراطية في العراق عملية جارية. ستكون الحياة السياسية في العراق متنوعة، حيث تتجادل الأحزاب الدينية وغير الدينية مع الحكم العلماني أو ضده، وحيث الأحزاب قائمة على تمايزات عرقية أو قبَلية أو طبقية. وستقيم تحالفات على أساس القضايا، وليس دائما على الهوية العرقية أو الدينية. ولن تغيّر عملية ديموقراطية ناجحة من الوضع الأمني في العراق في المدى القصير، لكنها قد تؤدي إلى قيام مؤسسات ومشاركات تسيطر على العنف. إن ما يجعل الديموقراطية ديموقراطية هو التنازع السياسي والتحالفات الوقتية وتبادل الدعم. إنها غير كاملة ولا تخلو من وسخ بل غير عادلة أيضا، لكن البدائل أسوأ كثيرا. اسأل أي عراقي.

 

جوديث أس. يافي باحثة في معهد الدراسات الاستراتيجية القومية بجامعة الدفاع الوطني. الآراء الواردة هنا هي آراء الكاتبةولا تعكس نظرة الجامعة، أو وزارة الدفاع أو أي هيئة حكومية.