على مدى ثلاثة عقود، كانت انتهاكات حقوق الإنسان في ليبيا تُرتَكَب علنا تحت عنوان "الدفاع الثوري". فلقد قامت الحكومة وجهازها الأمني الواسع بسجن أو "إخفاء" المنتقدين الذين تحدوا إيديولوجيا ثورة عام 1969 التي أطاحت بالملكية أو نظام الجماهيرية للعقيد معمر القذافي، "دولة الجماهير".

 

ومنذ عام 2001 11 سبتمبر ليكون المرء دقيقا – تغير هذا العنوان. فلقد ابتعدت الحكومة الليبية عن الخطاب الثوري نحو لغة أكثر انسجاما مع الهواجس العالمية، وتحديدا مع الحرب على الإرهاب. واليوم، بينما تواصل ليبيا إعادة تأهيلها الدولية، يجري سجن المنشقين والمنتقدين بسبب جرائم "إرهابية". وينتمي بعضهم إلى معارضة إسلامية مسلحة. وبالإضافة إلى الجماعة الإسلامية الليبية المقاتلة، والمدرجة على قائمة الحكومة الأمريكية للجماعات الإرهابية، يبدو أن جماعات أخرى مثل جماعة الشهداء تسعى إلى الإطاحة بالحكومة بأساليب العنف. ولكن الحكومة استخدمت واقع هذه المعارضة المسلحة لتبرير إسكات المعارضة السلمية باسم مكافحة الإرهاب.

 

وكانت التكتيكات الجديدة للحكومة واضحة في القرار (المتخذ) في يناير 2005 بإلغاء محكمة الشعب، والتي درجت لوقت طويل على محاكمة الجرائم السياسية في انتهاك لكل من القانون الليبي والدولي على حد سواء. ونقلت الحكومة القضايا المطروحة أمام المحكمة إلى المحاكم الجنائية العادية، ولم يتبين بعد ما إذا كانت ستقدم للمتهمين محاكمات وفق الأصول المرعية التي يضمنها القانون الليبي. بالإضافة إلى ذلك، ما يزال المئات من الليبيين الذين كانوا قد أدينوا من قبل محكمة الشعب بعد محاكمات غير عادلة وراء القضبان. وأبلغ رئيس وكالة الأمن الداخلي العقيد تهامي خالد منظمة هيومان رايتس ووتش في مايو بأن أولئك الذين يقبعون في السجون بسبب جرائم ذات صلة بالسياسة هم "إرهابيون" سيّسوا الإسلام وسعوا إلى الإطاحة بالحكومة بأساليب العنف.

 

ومن بين هؤلاء السجناء 86 عضوا في جماعة الإخوان المسلمين اعتقلوا في عام 1998. والإخوان في ليبيا جماعة دينية، وإجتماعية، وسياسية تدين العنف. ولكن بالنسبة للعقيد تهامي، فإن الإخوان تشكل أرضية خصبة لتفريخ الإرهابيين. وقال مؤخرا: "إنهم ينشرون الأيديولوجية إلى أن يصبحوا جاهزين، والخطوة التالية هي إستخدام العنف". وفي تطور إيجابي، حكمت المحكمة العليا في أكتوبر 2005 بأن أعضاء الإخوان يجب أن يحصلوا على محاكمة جديدة، والتي ستجرى في 28 نوفمبر.

 

وتنظر الحكومة حاليا في أمر مراجعة قانون العقوبات لتخفيض عدد الجرائم التي تُعاقَب بعقوبة بالإعدام، ولكن المسؤولين الليبيين أشاروا إلى أنهم سيُبقون على خيار معاقبة الجرائم "الإرهابية" بالإعدام. كيف يعرّف القانون الإرهاب – وما إذا كان هذا التعريف سيكون ضيقا بما فيه الكفاية لكي يستثني النقد السلمي – ما زال أمرا لم يتبين بعد. بالإضافة إلى ذلك، فإن القانون 71 سيء الصيت (الذي يحظر أي نشاط لجماعة تعارض ثورة عام 1969 ويمكن أن يجلب عقوبة الإعدام لا يزال في الكتب.

 

وبينما تعمل الحكومة الليبية على تحسين صورتها في الخارج، ثمة معالم تحسن لا بأس بها. ففي سبتمبر 2005، أطلقت الحكومة خمسة سجناء سياسيين مسجونين منذ أمد بعيد وأوصت لجنة حكومية بإطلاق سراح 131 آخرين، من بينهم 86 من الإخوان المسلمين. ولكن بحلول مطلع نوفمبر، كان الرجال الـ131 كلهم لا يزالون نزلاء السجن. وفي 15 نوفمبر، ستراجع المحكمة العليا القضية المثيرة للجدل المتعلقة بخمس ممرضات بلغاريات وطبيب فلسطيني ينتظرون تنفيذ حكم الإعدام عليهم بسبب حقن 426 طفلا بفيروس أتش آي في، ولم يتبين بعد كيف ستحكم المحكمة.

 

لقد كان مد متصاعد ببطء من النقد العلني والنقاش أكثر إنطواء على الوعود من الخطوات الحكومية المحدودة. فلقد بدأ الأكاديميون، والصحافيون، والمحامون، وحتى بعض المسؤولين الحكوميين، في التحدث بصراحة أكثر عن ضرورة الإصلاح السياسي. ورغبتهم في التطرق لمواضيع كانت فيما مضى محرمة مثل الفساد والتعذيب تكتسي أهمية.

 

إن التوصل المتوسع بسرعة إلى لإنترنت في ليبيا يغير المحيط (العام) عبر تقديم أخبار غير خاضعة للرقابة وتعزيز النقاش. فالعشرات من المواقع على الإنترنت التي تتخذ من الخارج مقرا لها تقدم للناس في البلاد توصلا لأخبار وأفكار كانت فيما مضى ممنوعة. وقد حاولت الحكومة أن تغلق التوصل إلى بعض المواقع، وإعتقلت صحافيا على الإنترنت كان ينشر من ليبيا. وإنضم عبد الرزاق المنصوري إلى ناقد سلمي آخر في السجن: المسؤول الحكومي السابق فتحي الجهمي. وقد أودعت وكالة أمن الإنترنت الجهمي رهن الاعتقال من دون محاكمة منذ مارس من عام 2004 بعدما إنتقد القذافي في وسائل الإعلام الدولية. واللافت أن عائلة المنصوري أصدرت رسالة علنية في أكتوبر تدين بجرأة إعتقاله. مثل هذا النقد من الداخل كان نادرا حتى الآن.

 

وبينما تواصل ليبيا الانفتاح للعالم، فإن الضغوط من أجل التغيير التي تأتي من المواطنين ستتزايد على الأرجح. ويجب على الغرب، الذي لا يزال لحد الآن مركزا على ليبيا كشريك في الحرب على الإرهاب والوصول إلى حقول نفط ليبيا المترامية الأطراف، أن يفعل المزيد لتشجيع هذا الإتجاه. وينطبق هذا الأمر بصورة خاصة على الولايات المتحدة، التي يرجح لها أن تستأنف العلاقات الدبلوماسية الكاملة مع ليبيا خلال السنة القادمة. ويجب على الولايات المتحدة وغيرها من الدول الغربية أن تعزز العلاقات مع الأكاديميين، والطلاب، وأرباب المهن، وغيرهم من الفاعلين غير الحكوميين، فضلا عن تحميل الحكومة الليبية المسؤولية عندما تقدم على سجن معارضين مسالمين وتخمد النقاش.

 

فرد آبراهامز هو باحث رفيع المستوى في منظمة هيومان رايتس ووتش. وهو قد زار ليبيا لصالح المنظمة في آبريل-مايو 2005.