تحاول الكتل السياسية الكبيرة المتحالفة في العراق التي حققت نجاحا واضحا في الانتخابات السابقة في يناير البقاء في الساحة السياسية العراقية وخوض الانتخابات القادمة التي ستجري بعد شهرين من عملية الاستفتاء التي جرت في منتصف أكتوبر الجاري على الدستور العراقي من خلال توسيع قاعدتها أو تغيرها .

فقائمة الائتلاف العراقي الموحد وهي القائمة الشيعية التي فازت بأكثر من نصف مقاعد الجمعية الوطنية قد تشهد تغيرا في تحالفاتها بنسبة 20-30%، هذا التغير قد يكون سببه انسحاب التيار الصدري المتحالف معها والمسمى "الكوادر والنخب الوطنية المستقلة" إلاأن هذا الانسحاب قد لا يؤثر على طبيعة التحالفات الأخرى في الائتلاف العراقيالذي شهد انسحابات مماثلة بعد ألانتخابات التي جرت في نهاية يناير الماضي .

 

فنجاح هذه القائمة في الانتخابات المقبلة سيعتمد على قوة الفتوى التي سيصدرها المرجع الديني الأعلى آية الله علي السستاني وما لهذه الفتوى من تأثير كبير على الناخب العراقي خاصة في المناطق الجنوبية التي تقطنها الأغلبية الشيعية .فقد تسببت دعوة السستاني للمشاركة في الانتخابات الأولى في حصول قائمة الائتلاف الموحد على أغلبية مقاعد البرلمان العراقي .

 

فالبرنامج السياسي لهذه القائمة لن يختلف كثيرا عن البرنامج السابق إلا في الدعوة الجديدةإلى فدرالية الجنوب التي ستتضح معالمها مع تشكيلة البرلمان القادم.

 

وتظهر القائمة الكردستانية المتكونة من ائتلاف اكبر حزبيين كرديين في العراقالقائمة الأكثر تماسكا في ائتلافها ولا يعتقد بان هذه القائمة سوف يحدث فيها أي تغير يذكر.ويعتمد نجاح الأكرادعلىتماسكهم القومي ورغبتهم في بناء دولة كردستان وضم مدينة كركوك الغنية بالنفط من خلال المكاسب التي قديحصلون عليها من الشيعة أو السنة أو ما يسمى بمبدأ التوافق الوطني أو المحاصصة .

و يسعى الدكتور إياد علاويرئيس الوزراء العراقي السابقفي توسيع تحالف قائمته المعروفة باسم" القائمة العراقية "، لتشمل شرائح وقوميات مختلفة من العلمانيين والتكنوقراطوالإسلاميين الشيعة والعشائر العراقية السنية التي قاطعت الانتخابات السابقة، وقد يشمل التغير حتى اسم القائمة التي قد تسمى باسم "وطن" أو "عراق" .

 

ويحاول علاوي الابتعاد عن دائرة الشك والفساد الإداري الذي مازال يحوم حول حكومته السابقةوللاستفادة من أخطاء التجربة الانتخابية السابقة التي لم تحصد إلا 43مقعدا من أصل 275 في البرلمان العراقي .

 

ويمثل علاوي الاتجاه الليبرالي المعتدل الذي يفضله اغلب الساسة العراقيين ويرون أن عودته إلى السلطة قد تضع العراق فيطريق الديمقراطية الصحيحة، إلا أن الناخب العراقيوخاصة الناخب الشيعي يرى أن علاوي قد أخطأ في تقريب أعضاء حزب البعث المنحل وإعادتهم إلى السلطة وعدم العمل بمبدأ اجتثاث البعث الذي اعتمدته الحكومة الحالية وتضمنه الدستور العراقي.

 

ويتهيأ العرب السنة الذين قاطعوا الانتخابات السابقة في دخول هذه الانتخابات رغم موقفهم السلبي من الدستور، ولا يلوح في الأفق أي ائتلاف واضح لهمحتى الآن ربما بسبب الوضع الأمني الصعب الذي يشهده المثلث السني أو بسبب افتقارهم إلىالقاعدة الشعبية الواسعة على عكس أقرانهم من الشيعة والأكراد.

 

ويعتمد السنة في نجاحهم في الانتخابات على الخطابات القومية والوطنية الداعية إلى إنهاء الاحتلال الأمريكي وجدولة الانسحاب، ويبدو هذا واضح من خلال المسميات التي يطلقونها على كياناتهم السياسة، فقد غير العرب السنة تجمعهم المعروف "بمؤتمر أهل السنة" إلى مؤتمر "أهل العراق".أما الحركات السنية المرجح دخولها في الانتخابات كقوائم مستقلة فقد ضمت الحزب الإسلامي العراقي برئاسة طارق الهاشمي والمؤتمر العام لأهل العراق للدكتور عدنان الدليمي ومجلس الحوار الوطني للشيخ خلف العليان.

ويعتقد أن الكتلة السنية سوف تواجه مشاكل كثيرة في حال دخولها الانتخابات القادمة خاصة في المناطق الساخنة مثل الرمادي وحديثة والقائم وسامراء والموصل، من قبل الجماعات التكفيرية التي ترفض الانخراطفي العمل السياسي وتكفر كل من يعمل في ظل الاحتلال الأمريكي . وتطلق شعارات "لا للاستفتاءو لاللانتخابات"، لذا لا يتوقعأن يؤدي دخولهم المجال السياسي إلى انحسار لدوامة العنف التي تعصف بالبلد، كما يشير البعض .

 

مع ذلك تعتبر المرحلة الحالية وعلى مدى الشهرين القادمين مهمة جدا وحرجة بالنسبة للعرب السنة الذين يرومون خوض الانتخابات، ففي حال عدم مشاركتهم لأي سبب من الأسبابسيؤدي إلى عدم تمثيلهم في البرلمان القادم ولمدة أربع سنوات والعودة بالوضع السياسي إلى المربع الأول وعدم استقرار الأوضاع في البلاد.

 

لن تخلو الانتخابات القادمة من الاستقطاب الطائفي والقومي الذي سيكون واضحا بين القوائم المتنافسة، الائتلاف العراقي الموحد و قائمة العرب السنة من جهة والعرب والأكراد من جهة أخرى.وسيواجه تطبيق مبدأ التوافق الوطني أو المحاصصة صعوبة إذا ما استطاع السنة الحصول على عدد من المقاعد ذات تأثير في البرلمان، والذي يستبعده البعض من أعضاء القائمة الشيعيةحيث يقول عباس البياتي: " الخارطة العراقية السياسيةلن تتغير كثيرا حتى بدخول السنة العرب المعترك السياسي".

 

وسيشهد الناخب العراقيتغيرا فيالنظام الانتخابي إلى دوائر انتخابية متعددة بعد أن كان العراق دائرة انتخابية واحدة إلا أن هذا التغير سوف لن يؤثر على القوائم الانتخابية للائتلافات السياسية الرئيسيةفي العراق، فاغلب هذه للائتلافات تسعى لضمأحزاب منالأقليات كالتركمان العرب و المسحيين والآشوريين واليزيديين والصابئة المندائيين لضمان التنوع الطائفي والعرقي والمناطقي التي سوف تفرضها طبيعة الانتخابات الجديدة .

 

العراق بهذه التشكيلة الجديدة التيتبدو متوازنةسياسياقد يستطيع أن يصمد خلال السنوات القادمةفي تحديد سياسة الدولة العراقيةالتي أنهكها تعدد الحكومات وتغير السياسات و الاضطرابات الأمنية التي نتجت عن وجود طائفة معينة فيهامنذ سقوط نظام صدام حسين في 2003، ولكنها لن تتمكن منبناء دولة حديثة ذات مؤسسات علمية وديمقراطية صحيحة لأن أكثر هذه التكتلات والائتلاف يحكمها تيار أثبات الهوية العرقية والطائفية لا التيار الوطني الديمقراطي المستقل، ولن تكون برامجها أبعد من هذا المنظار حتى في إطار التوافق والوطني والمحاصصة.

زينب ناجي وداود سلمان صحفيان من معهد صحافة الحرب والسلام /العراق.