في 29 سبتمبر، وافق الجزائريون بأغلبية كاسحة على مسودة "ميثاق السلام والمصالحة الوطنية"، وهو قانون للعفو اقترحه الرئيس عبد العزيز بوتفليقة ليمنح إعفاءً من المحاكمة لأي عضو في جماعة مسلحة على جرائم ارتكبت أثناء النزاع الذي بدأ في 1992. أقر الميثاق بأغلبية 97.36 بالمائة من المقترعين الذين شارك في الاقتراع 79.76 بالمائة منهم، وهي نتائج غير مسبوقة منذ استفتاء الجزائر على الاستقلال في 1962. هذه الأرقام يمكن تفسيرها بطوفان التغطية الإيجابية للميثاق في الإعلام الموالي للحكومة في الأشهر التي سبقت إضافة إلى الطريقة التي جرى بها الاقتراع. فقد أشرف اربعمائة ألف من الموظفين التابعين لوزير الداخلية على مراكز الاقتراع التي بلغ عددها 424، بدون أي رقابة من أطراف مستقلة أو منظمات دولية.

 

بدلا من الجدل حول صدقية النتائج، يجب أن ينتقل التركيز الآن إلى مترتبات الميثاق. أي دور سياسي خطط له أن يلعب؟ كيف يغير ميزان القوى في المشهد السياسي الجزائري والعلاقة بين مختلف القوى السياسية؟

 

يثير الميثاق كثيرا من المسائل المقلقة. أولها وأكثرها خطرا أن الاقتراع يتيح للحكومة أن تضع تحت البساط الآثار العميقة لما يزيد عن عقد من المواجهات المسلحة بدلا من مواجهتها. كان الضحايا الرئيسيون في تلك المواجهات مدنيين اصبحوا موضوعا لهجمات ومذابح وعمليات تعذيب واختفاءات مستهدفة وعشوائية معا. إن كلا من الجماعات الإسلامية المسلحة وعملاء الدولة، بدرجات متفاوتة، مرتبطون مباشرة بتلك الأفعال. الميثاق يلغي جميع الإجراءات القانونية ضد ملتزمين استسلموا طوعا منذ يناير 2000، وينكر مسؤولية الدولة عن الاختفاءات، ويعلن أن كل الأفعال الخاطئة التي ارتكبها عملاء الدولة قد وقع العقاب عليها بالفعل.

 

حجة الحكومة بأن الميثاق سيساعد على شفاء جراح الحرب ويصالح الجزائريين غير منطقية. فكما تقول المجموعة النسوية ريسو وسيلة في ما يتعلق بضحايا عمليات الاغتصاب والعنف من جانب الجماعات الإسلامية المسلحة: "بعض الحالات لا يمكن تجاهلها لأن من شأن ذلك أن ينتهك إنسانية الضحايا مرة ثانية ويعوّق إعادة إدماجهم في المجتمع. فالضحايا الذين عُذّبوا وبترت أطرافهم واغتصبوا لم يُعتَرف بهم بعد كضحايا. لم يقر مجرم واحد علنا بجرمه أو عبر عن الخجل والندم". من وجهة نظر قانونية، يُلزِم قانون العقوبات الجزائري بفحص تلك الأفعال وتقييمها، وتحديد مرتكبيها، وتقرير ما ينطبق من مواد قانون العقوبات. ثم يتعين أن تبدأ محاكمة يكون فيها لكل من الضحايا والمتهمين حق الدفاع ثم يمكن توقيع عقوبة رمزية. فقط بعد تلك العملية يجوز للحكومة أن تعلن عفوا وتسأل الضحايا أن يمنحوا عفوهم.

 

المترتب الرئيسي الآخر على الميثاق أنه يقوي سلطة بوتفليقة الهائلة بالفعل. فمنذ العام 2000 كان هناك هدوء نسبي وكان بوسع النظام تأمين مركزه المهيمن بدعم من الغرب. وحسّنت انتخابات العام 2000 الرئاسية مركز بوتفليقة لأنه انتخب بـ 85 بالمائة من الأصوات بينما خاض الانتخابات ضد خصوم لم ينسحبوا من السباق، على خلاف الانتخابات السابقة. كما ساعدته تلك الانتخابات على دعم مركزه بالنسبة للجيش. إضافة إلى ذلك، فإن إطلالة سريعة على الصحافة الجزائرية منذ الانتخابات الرئاسية تكشف عن أن مطاردة كانت جارية في القضاء. فبحجة إصلاح القضاء، أجبر القضاة الذين لم يكونوا متحمسين على اعتزال وظائفهم أو حجبوا عنها. بذلك أفرغ "مجلس الدولة" والمحكمة العليا والمحكمة الدستورية ممَن يمكن أن يدافعوا عن استقلال القضاء في مواجهة السلطة التنفيذية. على النحو نفسه، أسكت كل من عبر عن المعارضة في أوساط المجتمع المدني والساحة السياسية.

 

خطط بوتفليقة للاستفتاء بوضوح لكي يكون أداة لمنح نفسه صكا على بياض ليحكم بدون كوابح سياسية أو معنوية. من بين العواقب الكثيرة لوضع من هذا القبيل زيادة الفساد: فقد نشرت صحيفة الوطنالجزائرية عن الابتزاز والاتجار بالنفوذ من جانب رسميين كبار وبتواطؤ كبار الموظفين. في عقد التسعينات، وقع الجزائريون ضحايا لجموح رجال مسلحين. في القرن الواحد والعشرين، يبدو أن أقلية مسيطرة جديدة تتكون تحت غطاء مواعظ صاخبة تمجد "السلام المدني والمصالحة".

 

ضحى جربال أستاذة للتاريخ في جامعة الجزائر ومدير المجلة الجزائرية للدراسات و النقد الاجتماعي (NAQD, www.revue-naqd.net)